الرأسمالية والدعوة للتمييز باسم المساواة
الرأسمالية والدعوة للتمييز باسم المساواة
لماذا تحمل المجتمعات الرأسمالية شعارات محلِّقة مثل دعم الحرية المطلقة؟
في الواقع لأن هذه الإطلاقات هي الأنسب للأغنياء، فأنت إذا قلت حرية، فالفقير ستُقيِّد حريته ظروفه المالية، بينما سيفعل الغني ما يشاء ما دام لا يوجد دين ولا عرف يقيِّده.
وأما إذا قيَّدهم الدين فهذا سيكبح جماح الشهوات التي تشتعل مع وجود قوة مادية.
وأيضًا منع الربا والدعوة للزكاة والنهي عن الاحتكار كلُّ ذلك يضيِّق الفجوات الكبيرة بين الناس، نعم سيبقى المجتمع فيه أغنياء يصنعون ما لا يصنع الفقراء، وتحقيق كل إنسان لما يريد هذا فقط في الجنة (وهنا نفترق عن الماركسية)، فالسلامة من أحلام الماركسية الجامحة لا يعني التسليم بتوحُّش الرأسمالية، وأصل ضلال الناس حصرُهم الأمور بين هذين النموذجين.
وإليك هذا المقال الذي يشرح لك عمق المشكلة وأثرها العظيم على العالم:
نشر موقع دي دبليو باللغة العربية في صفحة السياسة والاقتصاد مقالًا بهذا العنوان: مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم.
افتُتح المقال بهذه العبارة: "بالنظر إلى الإمكانيات التي يتوفر عليها العالم، يجب أن لا يعاني أي إنسان من المجاعة: هذا ما ورد في مؤشر المجاعة العالمي 2019، لكن في الواقع يعاني 822 مليون شخص من المجاعة حسب نفس المؤشر. فما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟".
أقول: تأمَّل وجود قرابة مليار شخص تحت المجاعة مع أن الموارد تكفي لكل الناس!
هذا اعتراف مشهور بين المتخصصين في الأمن الغذائي!
تكلموا في المقال عن الحروب بصفتها أحد أسباب ذلك، ولكن لا يخفى أن هذا العدد الهائل لا يمكن أن يعلَّل بالحروب فقط!
ورد في المقال قولهم: "فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان، يصف ذلك بدون تحفظ بـ "التمييز العنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات، في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحوُّل المناخ، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان".
تأمَّل هذا التمييز الذي لا تحاربه الرأسمالية بحال، بل تذكيه، وترفع شعار الحرية والمساواة، وهم هنا مارسوا الحرية!
يقول ميمكيس: "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عامًا الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيًّا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يُستخدم مباشرة كمواد غذائية.
أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعة على مستوى العالم. ولذلك فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".
هذا هو بيت القصيد "بنية غير عادلة في التجارة" يعني الاقتصاد الرأسمالي، ولهذا تتعجب إذا نظرت في الهند وعدد من دول أمريكا اللاتينية، وكيف أنها ذات إنتاج زراعي ضخم في الأرز والقمح وغيرها، ومع ذلك معدلات المجاعة فيها عالية جدا!