كنت قد قلت في مناسبات عديدة أن علم الحديث صار ألعوبة هذه الأيام
كنت قد قلت في مناسبات عديدة أن علم الحديث صار ألعوبة هذه الأيام
تجد بعض من تعلم شيئاً من هذا العلم يريد أن يبتديء الإسلام من جديد عن طريق تضعيف كل ما يخالف هواه
أرسل لي أحد الأخوة مقالاً لبعضهم يضعف حديث ( أيما امرأة استعطرت يوجد ريحها، فهي بمنزلة البغي ) وفي لفظ ( فهي زانية )
وأعل الخبر بثلاثة علل
الأولى : أنه من رواية ثابت بن عمارة وهو مضعف
الثاني : أنه اضطرب في لفظ الحديث وقفاً ورفعاً
الثالث : أن الحديث روي بلفظ مختصر ( كل عين زانية )
فأما العلة الأولى فلم يجد في جرح هذا الراوي سوى قول أبي حاتم ( ليس بالمتين عندي )
وهذا جرح شذ فيه أبو حاتم وإلا فثابت بن عمارة وثقه عامة الأئمة
1_ شعبة بن الحجاج قال البخاري حدثنا حسين بن حريث سمعت النضر بن شميل يقول : قال شعبة : تأتونى و تدعون ثابت بن عمارة .
وهذا إسناد صحيح لشعبة
2_ يحيى بن سعيد القطان فقد روى عنه وهو لا يروي إلا عن ثقة
3_ يحيى بن معين فقد قال عنه ثقة
4_ أحمد ابن حنبل
5_ الدارقطني قال عنه ثقة
6_ النسائي قال لا بأس به واحتج به في سننه
وصحح له ابن خزيمة وابن حبان
ومعلوم أن العالم إذا شذ بجرح مجمل وخالفه عامة الأئمة والمعاصرين للرجل فإنه يؤخذ قول الأكثر مع ما يعرف عن أبي حاتم من الشدة وشدته لا تعني أنه خارج عن حيز الإمامة في الباب
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" وأمثاله وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم."
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح :" وقول أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح أيضا، فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الثقات الأثبات من غير بيان السبب، كخالد الحذاء، وغيره، والله أعلم"
وحتى لو لم يكن متشدداً فقول الأكثر مقدم على من شذ ولم يبين
وأما العلة الثانية وهي دعوى الاختلاف بين الوقف والرفع وزعم أن ابن أبي شيبة رواه بلفظ :" أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد ليوجد ريحها , لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل اغتسالها من الجنابة.
"
والواقع أن هذا حديث آخر رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة
وأما الاختلاف وقفاً ورفعاً فقد روى الحديث مرفوعاً كل من يحيى القطان وروح بن عبادة والنضر بن شميل وعبد الواحد ومروان بن معاوية وخالد الطحان
وإنما رواه موقوفاً اثنان وكيع وأبو عاصم النبيل وهما على جلالتهما لا يصمدان لمخالفة الأكثر لهذا خرج أحمد الحديث في المسند ولم يعبأ بهذه المخالفة وكذلك خرجه النسائي
ولو فرضنا أن الخبر موقوف فهو قول صحابي لا يقال من قبيل الرأي وسيأتي أن الشريعة كلها تدل على الأمر
وأما العلة الثالثة فليست بشيء إذ هما حديثان مختلفان كما نص عليه البزار في مسنده ومن الرواة من جمعهما في لفظ واحد وهما وكيع والنضر بن شميل
وإلا لو بحثت ستجد أن رواة حديث ( كل عين زانية ) عبد الواحد وروح ويحيى القطان هم أنفسهم من رووا حديث ( أيما امرأة استعطرت ) وجعلوهما حديثين ولم يربطوا بينهما مع أن هذا هو الأيسر
والآن نأتي إلى متن الحديث في الصحيحين :" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه"
فما دام النظر الحرام هو زنا مصغر إن صح التعبير وإنما سمي زنا لأنه يقرب الزنا ويزينه في النفوس فذرائع الزنا سميت زنا
وكذلك تطيب المرأة ليجد الناس ريحها _ وهذا واضح في الحديث أنها تفعل ذلك ليجده الناس _ هو زنا مصغر فلا أحد يقول أنه يقام عليها الحد ولكن هذا يقرب الزنا وهو دعوة صامتة
وفي صحيح مسلم :" صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا."
وهذه الأمور التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذمت لكونها تثير شهوات الرجال وتجعلهم يفكرون بالفاحشة ، وهذا أمر معلوم حتى لمن يتابع إعلانات العطورات والشعارات التي تكتب عليها ففي العادة تكون الإيحاءات الجنسية حاضرة
وأما دعوى أن الفقهاء مختلفون في أمر الطيب للنساء بحجة حديثهم عن طيب المرأة قبل الإحرام فما علاقة الإحرام بالإختلاط في الرجال فقد تجلس المرأة مع نسوة أو محارم وتتطيب حتى إذا أرادت الخروج بحيث يوجد رجال أزالت عنها هذا الطيب بغسله ومن الطيب ما يزول مع مرور الوقت وقد ورد في الحديث :" طيب النساء ما ظهر لونه ولم يوجد ريحه" وقد يحمل على هذا المعنى
=