أما إن الفتنة قد تضاعفت اليوم!
أما إن الفتنة قد تضاعفت اليوم!
محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، أبو الحسين (المتوفى: 614هـ) رحالة أندلسي، رحل إلى المشرق، ودوّن رحلة لطيفة، وكانت له عاطفة دينية جياشة مع قلة علم.
كان مما ورد في رحلته قوله: "ورحلنا من تبنين، دمرها الله، سحر يوم الاثنين، وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلها مسلمون، وهم مع الإفرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة، وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها ايضا. ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقهم كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع، وقد أشربت الفتنة قلوب أكثرهم لما يبصرون عليه إخوانهم من أهل الرساتيق المسلمين وعمالهم، لأنهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق. وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين: أن يشتكي الصنف الإسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرة ضده وعدوه المالك له من الإفرنج، ويأنس بعدله، فإلى الله المشتكى من هذه الحال، وحسبنا تعزية وتسلية ما جاء في الكتاب العزيز: «إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء»".
أقول: رأى ابن جبير أن وجود المسلم تحت حكم الكافر الإفرنجي ومدحه لعدله باب فتنة، وأهل زماننا ينبغي أن يكونوا أكثر الناس استشعاراً لهذا المعنى.
فالأمر تجاوز أن تأنس بعدله إلى أن تعرف العدل بحسب مقاييسه ومعاييره، وتغير عقائدك وأخلاقك بحسب ذوقه، وتضعف أمام استنكاره لأي عادة من عاداتك، ولا تجرؤ على استنكار شيء من أحواله، هذا حال الكثير والله المستعان.
ومن الأمور الحسنة التي ذكرها ابن جبير في رحلته قوله: "وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل. وقد كان نور الدين، رحمه الله، نذر في مرضة أصابته تفريق اثني عشر ألف دينار في فداء أسرى من المغاربة، فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم، فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة، وكانوا من حماة من جملة عمالته، فأمر بصرفهم وأخرج عوض عنهم من المغاربة، وقال: هؤلاء يفتكّهم أهلوهم وجيرانهم، والمغاربة غرباء لا أهل لهم. فانظر إلى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي.
وقيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء: أحدهما يعرف بنصر بن قوام، والثاني بأبي الدّر ياقوت مولى العطافي، وتجارتهما كلها بهذا الساحل الإفرنجي، ولا ذكر فيه لسواهما، ولهما الأمناء من المقارضين، فالقوافل صادرة وواردة ببضائعهما، وشأنهما في الغنى كبير، وقدرهما عند أمراء المسلمين والإفرنجيين خطير، وقد نصبهما الله عز وجل لافتكاك الأسرى المغربيين بأموالهما وأموال ذوي الوصايا، لأنهما المقصودان بها لما قد اشتهر من أمانتهما وثقتهما وبذلهما أموالهما في هذه السبيل، فلا يكاد مغربي يخلص من الأسر إلا على أيديهما، فهما طول الدهر بهذه السبيل ينفقان أموالهما ويبذلان اجتهادهما في تخليص عباد الله المسلمين من أيدي أعداء الله الكافرين، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين".
وأقول جمعاً بين الفائدتين: أما إن كثيراً ممن يعيش في ديار الغرب صار في حكم الأسير هناك، فهو مقيد مكبل بمنظومة قانونية تستهدف ثوابته وذريته.
وأهل اليسار من أهل الإسلام إن سعوا بمشاريع تهدف لتحسين أحوال الشباب وصدهم عن التفكير بالذهاب إلى بلاد الكفر لتحصيل الرزق فذلك اليوم أنجع وأنفع من كثير من أبواب البر، ولو سعى أهل اليسار لإحياء منظومة المضاربة وتوفير القروض الحسنة لئلا يذهب الناس إلى البنوك الربوية فذلك سيكون نفعه عظيماً جداً على أهل الإسلام.