من عميق فقه السلف: من كان كفره عن جهل رُفِق به..
من عميق فقه السلف: من كان كفره عن جهل رُفِق به..
قال محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: "ألا ترى إلى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أعطى الأعرابي ثم قال له: «أحسنت» قال: ولا أجملت فغضب أصحابه رضي الله عنهم حتى هموا بقتله فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكف، وقال للأعرابي: «تأتينا» فجاءه في بيته فأعطاه وزاده، ثم قال له: أحسنت قال أي والله، وأجملت فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن مثلي ومثل هذا ومثلكم كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فقال صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أعلم بها وأرفق، فأخذ من ثمام الأرض شيئا، ثم جاءها من بين يديها فجعل يقول لها: هوى هوى فجاءت فاستناخت بين يديه فشد عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو أطعتكم حين قال هذا ما قال فقتلته دخل النار" قال إسحاق رحمه الله: أخبرني بذلك عدة منهم إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
993 - قال إسحاق: ففي هذا تصديق ما وصفنا أنه يكفر بالرد على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن كل من كان كفره من جهة الجهل وغير الاستهانة رفق به حتى يرجع إلى ما أنكره كما رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالأعرابي، وقوله لأصحابه: «إني لو قتلته حين قال ما قال دخل النار» دل أن ثبوته على قوله يصير به كافرا، وإن كل من كفر فرجوعه إلى الإيمان فيه عن ذلك، ولا يدعى في رجوعه عن كفره إلى الإقرار بالإيمان، وذلك أنهم لم يكن جاحدا فكذلك تارك الصلاة يدعى إلى الصلاة فإذا ندم وراجع زال عنه الكفر".
أقول: أورد الإمام إسحاق بن راهوية حديثًا فيه أن أعرابيًّا ردَّ على النبي صلى الله عليه وسلم أمرَه فهَمَّ الصحابة بقتله فرفق به النبي صلى الله عليه وسلم حتى رجع وقال للصحابة إنكم لو قتلتموه دخل النار.
فاستفاد إسحاق من هذه القصة أن مَن كفر عن جهل رُفِق به بخلاف مَن كفر عن استهانة.
وهذا المسلك يكاد يكون اليوم مهجورًا.
فالناس إما من يشتد على الجميع دون التفريق بين عالم وجاهل وحديث عهد بإسلام وناشئ في الإسلام وجاهل مفرِّط بالعلم أو جاهل غير مفرِّط ودون تفريق بين مسائل ظاهرة وخفية..
وإما من أسقط حكم التكفير من أصله بحجة الرفق ووجود جهال، حتى استهين بالكفريات وتعايش الناس معها أو ضعف إنكارها، وزَعَم أن كل جهل يمنع من التكفير بغض النظر عن نوع المسألة وحال الواقع ونوع الجهل هل نشأ عن تفريط أو غيره.
وربما اشتد المعلم على المتعلم أثناء محاولة إنقاذه من وقوعه في البلاء لبيان عظيم الأمر، ولكنه يشتد عليه باللفظ دون الحكم بالقتل.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
قاله لما قال بعض الصحابة مُطِرنا بنوء كذا وكذا.
وعادة ما تذكر أدلة من هذا الضرب في مسألة العذر بالجهل وهي مسألة طويلة الذيول، ومثل هذا النوع من الأدلة لا يفي بالغرض، لأن الواقعين نُبِّهوا فتنبهوا وتركوا، والنقاش في أناس وقعوا في الكفر واستمروا، ومع كلام إسحاق يظهر أنها لا تفي بالغرض.