معاصرون تكلموا في مسألة إمام أهل الرأي بغير المألوف...
معاصرون تكلموا في مسألة إمام أهل الرأي بغير المألوف...
أعلم جيدًا أن الناس اعتادوا شيئًا في هذا البحث ولا يعرف كثير منهم الكلام الذي سأنقله بعد سطور، ومعلوم أن أي مسألة علمية إذا تجاذب فيها الناس الخلاف فيحق لكل طرف أن يدلي بدلوه، وأما أن تسمح لطرف معين ورأي معين بأن يدلي بدلوه والطرف المقابل له يقال له اسكت وكلامك فتنة فهذه مصادرة على الحجج، هذا مع المبالغة من الحط على قول معين.
هذه ليست دعوة صادقة لجمع القلوب، بل هي مخاتلة لنصرة قول معين دون أن يكون أمامه أي عوائق، مع أنه قول ضعيف عند المحاققة. ولما اعتاد الناس على الظن أن هذا الكلام خاص بزمن السلف أو أزمنة متقدمة أو أنه خاص بي أنا شخصيًّا، أردت أن أبين أن كلام عدد من مشاهير المعاصرين في هذا الملف بما لا يروق للمخالفين معروف، وسأنقل من كلامهم قبسات أعلم جيدًا أنها ستصدم كثيرًا من القراء:
١) أبو المعاطي النوري ورفاقه:
أبو المعاطي النوري وإبراهيم النوري وأحمد عبد الرزاق وأيمن الزاملي ومحمود خليل الصعيدي وغيرهم فريق كبير، اشتغلوا زمنًا بجمع كلام أئمة الجرح والتعديل حتى جمعوا موسوعة في كلام أحمد وأخرى في كلام الدارقطني وألفوا كلام الأئمة.
وقد جمعوا كتابًا كبيرًا أسموه الجامع في الجرح والتعديل لأقوال البخاري ومسلم والعجلي وأبي زرعة وأبي داود ويعقوب الفسوي وأبي حاتم والترمذي وأبي زرعة الدمشقي والنسائي والبزار والدارقطني.
وصلوا إلى ترجمة إمام أهل الرأي النعمان بن ثابت أبي حنيفة، فكتبوا حاشيةً أنقلها بتمامها ليتأملها المنصف:
وهي الحاشية في (٣/ ٢٠٩-٢١٠) حيث قالوا:
"حاول البعض، خاصة من بقايا أهل الرأي والهوى، الدفاعَ عن أبي حنيفة كونه من أئمة أهل الرأي، ومن هؤلاء من يشتغل بتحقيق الكتب، وقد تتبعنا دفاع هؤلاء فوجدناه يأخذ سبيل التدليس تارة، وأخرى يلجأون إلى الطعن في أهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقفنا على جماع دفاعهم فوجدناه ينحصر فيما يلي:
١- منهم من يقول: إن علماء الحديث الشريف طعنوا جميعًا في أبي حنيفة من باب الحقد والحسد!!
٢- ومنهم من قال: إن أهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وبين أهل الآراء عداوة وبغضاء من قديم.
٣- ثم خرج علينا ثالث مستغلًّا انصراف الناس عن البحث والعلم ليقول: ولم يتكلم في الإمام (كذا) أبي حنيفة سوى الدارقطني والنسائي.
وباختصار نقول: كان بالإمكان أن نحيل الباحث عن الحق على كتب علماء الحديث، وجميعها قالت في أبي حنيفة القول الفصل. ولكن لا مانع من أن نتحدث سريعًا عن النقاط الثلاث المذكورة.
١- فمن ناحية الحقد والحسد، فقد يقع الحسد بين عالم وعالم، بين رجل له مائة ألف حديث مثلًا وآخر له نفس العدد أو يقاربه. ولكن هل يتصور إنسان أكرمه الله بعقل سليم أن يحقد محمد بن إسماعيل البخاري، الرجل الذي جمع صحيحه من ستمئة ألف حديث كان يحفظها، البخاري صاحب التاريخ الكبير والأوسط والصغير، هل يحقد ويحسد أبا حنيفة الذي كل بضاعته في الحديث كما قال ابن حبان رحمة الله عليه: «.. حدث بمائة وثلاثين حديثًا مسانيد، ماله حديث في الدنيا غيرها، أخطأ منها في مئة وعشرين حديثًا، إما أن يكون أقلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار ....».
فهل يحسد أحمد ابن حنبل وسفيان بن عيينة وأيوب وجميع أهل الحديث أبا حنيفة على الأحاديث المئة والثلاثين التي لم يحسن إسنادها ولا متنها، ثم أين كتبه وأين علمه حتى يحسده عليها أئمة أهل الحديث، وهل هذا موقف يحسد عليه. لقد كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، يعرف عللها ورجالها وموقوفها ومرفوعها كما يحفظ أحدنا اسمه. فهل يحقد ويحسد أحمد ابن حنبل أبا حنيفة على عشرة أحاديث كان يعرفها بالكاد؟ ......"
..... تتمة الكلام في الملف التالي 👇