قال فارس الخوري _وهو قانوني نصراني_:
قال فارس الخوري _وهو قانوني نصراني_:
إن محمداً أعظم عظماء العالم، ولم يجد الدهر بعد بمثله. والدين الذي جاء به أوفى الأديان وأتمها وأكملها، وإن محمداً أودع شريعته المطهرة أربعة آلاف مسألة علمية واجتماعية وتشريعية، ولم يستطع علماء القانون المنصفون إلا الاعتراف بفضل الذي دعا الناس إليها باسم الله وبأنها متفقة مع العلم مطابقة لأرقى النظم والحقائق العلمية. إن محمداً أعظم عظماء الأرض سابقهم ولاحقهم، فلقد استطاع توحيد العرب بعد شتاتهم وأنشأ منهم أمة موحدة فتحت العالم المعروف يومئذ، وجاء لها بأعظم ديانة عينت للناس حقوقهم وواجباتهم وأصول تعاملهم على أسس تعد من أرقى دساتير العالم وأكملها.
وقال أيضاً: البون شاسع بين شريعتي موسى ومحمد عليهما السلام، فالأولى: تأمر بالتقتيل بلا إنذار ولا عهد ولا صلح ولا دعوة لإيمان، فلا يقبل من الأعداء اليهود، ولا يعصمهم من القتل والفناء الإيمان، خوفاً من الارتداد فيما بعد، ولا يسمح لهم بالرحيل والجلاء عن بلادهم لتخلو لليهود الفاتحين، خوفاً من استجمام القوى والكر على الغاصبين. والثانية: تأمر بدعوتهم إلى الإسلام، فإن قبلوا الدعوة عصموا دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وإن أبوا فالجزية، وإن أبوا فالقتال. وهذه دعوة دينية قبل كل شيء.
وقال أيضاً: المقايسة بين الشرع الإسلامي والشرع الروماني لا نراها تستقيم لنا بالنظر لاختلاف الهدف والسنة بين الشرعين: الأول منهما قائم على قواعد العدل المطلق ومقتضيات العقول. والثاني على المصالح والمنافع الدنيوية. فيبنى على هذا التخالف أن الأساس في الشرع الإسلامي مصلحة الفرد في الدنيا والآخرة: وفي الشرع الروماني مصلحة الجماعة فقط. وهذه المبادئ ظاهرة آثارها في كل صفحة من صفحات هذين الشرعين تفرق بينهما تفريقاً يتعاصى على المزج والتوحيد، حتى إن الحكيم يكاد يستنبط استنباطاً الحكم بالمسائل المعروضة في كل من الشرعين إذا اعتبر بهذه القواعد ورَجع إليها. وفي الأعم الأغلب يكون ظنه يقيناً؛ مثال ذلك مرور الزمان، إما أن يسقط الحق وإما أن يسقط الدعوى؛ فالشرع الإسلامي لا يمكن أن يقول بسقوط الحق لأن الحق يبقى في الذمة، والفرد لا تبرأ ذمته إلا بالوفاء أو بالإبراء، مهما مر من الزمان على الحق، ولذلك قال إن الحق لا يسقط بتقادم الزمان وإنما يمنع الحاكم من سماع الدعوى. فلم يكتف الشارع الإسلامي بتأمين مصلحة الدنيا بل استهدف مصلحة الآخرة أيضاً، في حين أن الشارع الروماني اتخذ الجانب الآخر وقال أن الحق المتروك يسقط والساقط لا يعود. ولم يكترث بأثقال الذمة وعقاب الآخرة. لذلك ترى أنه ليس من السلامة القول بأن أحد هذين الشرعين مأخوذ عن الآخر. وإذا طالعت أقوال فقهاء الأمتين في إحدى المسائل تجد كل فئة تعلل اجتهادها بطريقتها الخاصة مراعية المبادئ المتقدم ذكرها، غير متأثرة بالأساليب وطرق التعليل التي سلكتها الفئة الأخرى
ومن هذا القبيل قاعدة عدم أخذ العامة بجرائر الخاصة، وهذا مستند للآية الكريمة (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فنهوا عن تحميل المغارم أهل القرى بالجملة لأجل الجرائم التي يقترفها أفراد منهم. وأنت ترى أن حكومات هذا العصر تفرض الغرامات على القرى وتأخذ الطائعين فيها بجريرة العاصين. وأمامنا حوادث التقتيل والتهجير في القرن العشرين بمرأى أوربة ومسمعها، وإن شئت فقل برضاها، تدلنا على أن العرب في عنفوان دولتهم كانوا أقرب إلى العدل والإنصاف من أكثر أهل هذا الزمان.
وقد شرعوا أيضاً أن خروج الشراذم من المعاهدين واعتداءهم على بلاد المسلمين بغير إذن ملكهم لا يعد نقضاً للعهد ولا يوجب الغرم على الملك المعاهد أو على قومه بصورة عامة. وهذا مبلغ من الإنصاف جدير باحترام أرقى الصور وأعلقها بالإنسانية والعدل. وما زالت الدول غير خاضعة لهذه القاعدة ولا عاملة بها، فقد حملت إيطاليا الغرم دولة اليونان بسبب اعتداء بعض اليونانيين على البعثة الإيطالية في اليابان، وفرضت عليها غرامة خمسين مليون فرنك مع أشياء أخرى واحتلت جزيرة كورفو ضماناً لإنقاذ هذه المطالب. وفعلت إنكلترا مثل ذلك مع الحكومة المصرية في مقتل السر لي ستاك باشا فأخذتها بجريمة بعض الشبان. وجرى في بلاد الشام حوادث شتى من هذا القبيل في أثناء الحرب العالمية السابقة، وبعدها في أيام الثورة، كما أخذت النمسا حكومة السرب بجناية اغتيال ولي العهد بيد فتى سربي، وكان كذلك سبباً مباشراً لاضطرام الحرب الكونية (الماضية)، وغير ذلك.
ومن المبادئ العربية العالمية اجتناب قتل النساء والأطفال، وهذا أيضاً تقاصرت عنه المدنية الحديثة فإن وقائع الحرب العالمية وحوادث ثورة دمشق سنة 1925 و 1926 وما لا يحصى غيرها من فواجع القتال أدلة ناطقة على أن قواعد حقوق الحرب التي تحظر على المحاربين إطلاق القنابل على الأماكن غير المحصنة لا توجد إلا في بطون الأوراق والدفاتر. ( نقلا عن مقال في مجلة الرسالة (700/20) ويلاحظ أنه أرجع الأمر لعبقرية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يؤمن بنبوته )
قال عبد الرزاق في المصنف [18030]:
عن ابن عيينة عن المخارق بن عبد الله قال سمعت طارق بن شهاب يقول :
لطم عم خالد بن الوليد رجلا منا
فجاء عمه إلى خالد فقال : يا معشر قريش إن الله لم يجعل لوجوهكم فضلا على وجوهنا إلا ما فضل الله به نبيه صلى الله عليه و سلم
فقال خالد : اقتص ..
فقال الرجل لابن أخيه : الطم واشدد فلما رفع يده قال دعها لله ...
قال التابعي الحافظ عروة بن الزبير رحمه الله :
كان أمية بن الأسكر الجُندعي أدرك الإسلام وهو شيخ كبير وله امرأة عجوز كبيرة وله منها بنون
فبينا هو يمشي في موسم من مواسم العرب وأحد بنيه يقوده إذ جذب يده منه فلحق بالجهاد ثم لحقه أخوه فقال أمية :
إذا دعتِ الحمامةُ ساق حرٍ ... على بيضاتها دعوا كلابا
تركت أباك مرعشةً يداه ... وأمك ما تسيغ لها شرابا
أتاه مسلمان فزلجاه ... لترك عجوزه عقّا وخابا
أرادا أن يفارقها فقالا : .. كتاب الله لو قُبلَ الكتابا
وقال :
أصاحبتي حتى إذا ما رأيتني .. أرى الشخص كالشخصين وهو قريبُ
وإني حنى ظهري حوانٍ تركنه .. شجاراً فمشيي في الرجال دبيبُ
تحدث في الأقوام أن لم تعقني .. بلى حين إذ فارقتني وتحوبُ
( وقال في ذلك شعر كثير يروى عنه )
قال عروة : فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه .. فأرسل إليهما وقال : والله لا تفارقانه أبداً حتى يموت ...
[ مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا 234 وما بعده ]
قال ابن وهب في جامعة [ 91 ] : حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، قال:
كنت جالسا مع عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ورجل من أهل اليمن يطوف بأمه يحملها بين كتفيه، حتى إذا قضى طوافه بالبيت وضعها ..
فدعاه ابن عمر، فقال: ما هذه المرأة منك؟
فقال: هي أمي
فقال عبد الله بن عمر: وددت لو أني أدركت أمي فطفت بها كما طفت بأمك
وليس لي من الدنيا إلا هذان النعلان ..
كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يطوف بالبيت ، فرأى رجلا يطوف حاملا أمه وهو يقول :
إني لها بعيرها المذلل
إن ذعرت ركابها لم أذعر
أحملها وما حملتني أكثر أو قال : أطول .
أتراني جزيتها ، يا ابن عمر ؟
فقال : لا ، ولا زفرة واحدة
وقال في رواية : ولا طلقة واحدة - يعني من ألم الولادة -
[ مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ]
قال الخطيب في تاريخ بغداد :أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا الحسين بن القاسم، قال: حدثني أحمد بن وهب، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال:
حج هارون الرشيد، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم زائرا له، وحوله قريش وأفياء القبائل، ومعه موسى بن جعفر
فلما انتهى إلى القبر، قال: السلام عليك يا رسول الله، يا ابن عم، افتخارا على من حوله
فدنا موسى بن جعفر، فقال: السلام عليك يا أبة .
فتغير وجه هارون، وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقا
وقال. في ترجمة موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي
روى بعض أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فسجد سجدة في أول الليل وسُمع وهو يقول في سجوده :
عظُمَ الذنب من عندي .. فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى وأهل المغفرة
وجعل يرددها حتى أصبح
[ تاريخ بغداد ]