موقفان جليلان لاثنين من قضاة الحنابلة في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية..
موقفان جليلان لاثنين من قضاة الحنابلة في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية..
يحاول بعض أدعياء الحنبلية في زماننا إظهار ابن تيمية على أنه رجل مخالف لما عليه عامة الحنابلة في الاعتقاد، ثم لا يقف عند هذا الموقف حتى يقرن ذلك بالتخفيف من شأن الأشعرية في مقابل التيمية.
وقد رد كثير من طلبة العلم جزاهم الله خيرًا على هذا الكلام.
غير أنني أرى أن مِن أفضل ما يُردُّ به ذكر مواقف الحنابلة في زمن الشيخ، وقد وجدت موقفين جليلين لاثنين من قضاة الحنابلة من الشيخ، وقد ذكرا بفضائل عديدة.
الموقف الأول: موقف القاضي الحنبلي الشيخ الإمام المفتي شيخ المذهب مسند الشام بقية الأعلام تقي الدين أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن القدوة الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي الأصل الدمشقي الصالحي (هذه أوصاف الذهبي).
ترجم له الذهبي في ذيل تاريخ الإسلام وذكر مروياته، وتُعدُّ ترجمة الذهبي له أوسع ترجمة للرجل بين أيدينا وهي ترجمة تلميذ مباشر له.
قال الذهبي في ترجمته في ذيل تاريخ الإسلام: "ثم تكاثر عليه المحدثون بعد السبعمائة، وقد تفقه بالشيخ شمس الدين وصحبه مدة وبرع في المذهب وتخرج به الأصحاب وكان له معرفة بتواليف الشيخ موفق الدين (يعني ابن قدامة صاحب المغني) وأقرأ السبع ودرس بالجوزية وبغيرها وكان جيد الإيراد لدرسه يحفظه من ثلاث مرات أو أكثر ولي الجوزية سنة ست وستين وستمائة، وولي القضاء عشرين سنة ومن تلاميذه ولده قاضي القضاة عز الدين وقاضي القضاة ابن مسلم والإمام عز الدين محمد بن العز والإمام شرف الدين بن أحمد وطائفة وسمع منه المزي وابن تيمية وابن المحب".
ثم ذكر عددًا من الرواة عنه ثم قال: "وكان محبًّا للرواية (في الأصل محب وهو غلط)، كثير التلاوة، طيب الأخلاق، حسن التواضع، صاحب ليل وتهجد وصيام وإيثار وسماح ولزوم الجماعة لا يخل بها، وكان ضخما تام الشكل أبيض أشقر منور الشيب حليم النفس منشرحا لقضاء الحوائج لين العريكة محمودًا في القضاء غالبًا ولولا القضاء لكان كلمة إجماع فالله يرضى عنه ويسامحه".
ثم طول الذهبي في ترجمته إلى أن قال: "جرت محنة الشيخ تقي الدين ابن تيمية في سنة خمس وسبعمائة، وحصل للحنابلة أذى كثير بمصر ودمشق فجاء البريد بإلزام الحنابلة بالرجوع عن معتقدهم وهددوا فتلطف القاضي تقي الدين في الأمر ولم يظهر عليه ألم ولا غضب ودارى بحسن خلقه وأخذ يدافع ويماطل وما كتب شيئًا وخمد الشر وأرادوا منه أن يكتب بالبراءة من معتقد ابن تيمية فامتنع وترفق بهم".
وهذا الموقف الجليل الذي أعنيه أنه امتنع من الكتابة بالبراءة من معتقد ابن تيمية.
الموقف الثاني: موقف القاضي ابن مسلم الإمام العالم الفقيه المحدث النحوي بركة الإسلام قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الريني ثم الدمشقي الحنبلي الزاهد (هذه أوصاف الذهبي له).
قال الذهبي في ترجمته في ذيل تاريخ الإسلام: "وكان أبوه ملاحًا في سوق الجبل فكان يرتفق بما يصح له من مكتب الصالحية وهو خمسة دراهم في الشهر هو وأمه وأختاه مع ما يسوق الله لهم ونشأ في صون وتقنع وحفظ القرآن وتعلم الخياطة واشتغل وتفقه وسمع الكثير".
ثم قال عنه بعد ذكر سماعاته: "ولم يزل متقنعًا راضيًا بالقوت له نحو عشرين درهما من الضيائية مع ما يحصل له من الخياطة وكان يلبس ثياب النساك على رأسه عمامة لطيفة، لا طلب تدريسًا ولا فتيا ولا زاحم على الدنيا".
أقول: سيرة هذا الرجل عجيبة، هو حنبلي كما ينبغي، وقد أخذني الأسف وأنا أقرأ ترجمته على أن أكثر طلبة العلم لا يعرفونه من حنابلة وغيرهم.
ثم قال الذهبي: "فلما توفي القاضي تقي الدين سليمان عين للقضاء وأثني عليه عند السلطان بالعلم والنسك والسكينة فرغب فيه وولاه القضاء فتوقف وطلع إليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى بيته وقوى عزمه ولامه (يعني لامه على عدم قبول القضاء) فأجاب بشرط أَلا يركب بغلة، ولَا يأتي موكبًا".
إلى أن قال الذهبي: "وكان يليق به الزهد والاقتصاد وكذلك حاله في نفقته ومأكله فنهض بأعباء الحكم بعلم وحلم وقوة في تؤدة ورزانة وعمر الأوقاف وحاسب العمال وحرر الاسجالات".
إلى أن قال: "ولازم الورع والتحري، ولاطف العتاة فلم يرض بعضهم، وحكم إحدى عشرة سنة وشهد له أهل العلم والدين بأنه من قضاة العدل وكان دينًا صينًا نهاءً عن المنكر له تلاوة وأوراد وتعبد واعتكاف وحج مرات".
ثم قال الذهبي: "وقد أوذي بالكلام لكونه ذبَّ عن ابن تيمية فتألم وكظم" ثم ذكر مرضه ووفاته بعد هذه الحادثة.
فهذا الرجل الذي حثه ابن تيمية على القضاء مع هذه الفضائل العجيبة التي تندر في الأزمنة المتأخرة مع محبته للشيخ وذبه عنه لا يشك في معرفته بالمذهب هو وشيخه سليمان وحرصهما عليه، وهما قضاة المذهب وكانت هذه منزلة الشيخ عندهما، وهاتان الترجمتان لا وجود لهما إلا في ذيل تاريخ الإسلام.