=
=
وقال الخلال في السنة 1768 - أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، قال: سمعت الميموني، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، لما أخرجت جنازة ابن طراح، جعلوا الصبيان يصيحون: اكتب إلى مالك: قد جاء حطب النار. قال: فجعل أبو عبد الله يستر وجعل يقول: «يصيحون، يصيحون».
ابن طراح رجل جهمي، ولما كان الأطفال الصغار يصيحون بأنه حطب النار أعجب ذلك أحمد!
هذا هو نفسه الإمام أحمد الذي عفا عن الذين جلدوه، وهو نفسه الإمام أحمد الذي كان يعفو عمن يسبه ويرفض سجنه ويقول (لهم أمهات وأخوات) غير أن أمر الدين عظيم. واليوم كثير من الناس دخل عليهم التساهل من اعتبارهم القضايا العقدية بمنزلة القضايا السياسية التي تحتمل المفاوضات، أو الحقوق الشخصية التي تحتمل التنازل.
وهذا يشبه من وجه شدة أبي بكر الصديق الأسيف على أهل الردة، وقوله لمن جاء تائباً منهم (تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) تثبيتاً للدين وإظهاراً لعزته.
وقد أسعدني لما رأيت بعض الوعاظ الشباب الناشطين في مواقع التواصل يعتنون بأمر العقيدة
واليوم الكثير من المشتغلين بالقضايا الفكرية مثل الرد على الملاحدة والعلمانيين صار عندهم تصور اختزالي للواقع
فصاروا يظنون أن مشاكل العامة عامتها في سياقاتهم الفكرية، وهذا خطأ، فمن العامة من يحتاج الوعظ فحسب، ومنهم من يحتاج التعليم، ومنهم من مشكلته نفسية، لهذا أرشد الإمام أحمد من عنده وسواس إلى سماع الوعاظ، وليس مجالسة المتكلمين أو الفقهاء، وذلك أن اشتغال النفس بالعمل الصالح دون إفراط ولا تفريط من أكثر ما يبعد الناس عن الافراط بالوسواس، فإن كثيراً من الوسواس ينمو بالاسترسال معه وهذا ما لم يدركه أهل الكلام ومن تأثر بهم.
وحتى في سياق معالجة المشاكل الفكرية هناك أصول إذا هدمت هدم ما بني عليها من إشكالات، مثل أصل التمركز حول الإنسان واستصغار حق الله عز وجل، وعدم معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، واستشعار عظيم حقه على خلقه سبحانه.