كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

همَّة الأعمى الذي تزكى

المصدر
همَّة الأعمى الذي تزكى قال تعالى: {عبس وتولى • أن جاءه الأعمى • وما يدريك لعله يزَّكى • أو يذَّكر فتنفعه الذكرى} [عبس] وقال البخاري في صحيحه: "2831 - حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء رضي الله عنه، يقول: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا، فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر}". قد لا يظهر للوهلة الأولى علاقة بين الآية والحديث، غير أنه بعد التدبر تجد أن العلاقة بينهما وطيدة. فآية عبس وتولى لا يختلف المفسرون في أنها نزلت في ابن أم مكتوم. وكان من جملة تزكيته أنه لما نزلت الآيات في فضل المجاهدين وهو عاجز عن الجهاد لضررٍ فيه تشوَّف لفضل الله عز وجل فنزل عذره في القرآن {غير أولي الضرر}. وفائدة هذا أن مَن كان معذورًا لضررٍ فيه مع تشوُّفه للعمل الصالح فله مثل أجر المجاهد. قال البخاري في صحيحه: "4423 - حدثنا أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: «إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر»". وهذا من تزكية أهل الإيمان إن رأوا أنفسهم عاجزين عن عمل صالح لعلة في البدن أو عجز مادي فإنهم يعينون أهله ويثنون عليه ويُظهرون التشوُّف لمنازلهم ويحدِّثون أنفسهم أن لو كانوا قادرين لفعلوا، وهذه ليست مجرد دعوى وإنما تُثبَت بما ذكرت من تشوُّف وإعانة وسؤال عما يمكن فعله. ولا توجد مواساة لأصحاب العجز لعلل في أبدانهم أو عجز مادي أو غيره مثل مواساة الشرع إذ يُقال لهم إن فيما ألمَّ بكم من مصائب كفارات لذنوبكم ثم إنكم إن تشوَّفتم للأعمال الصالحة التي تعجزون عنها فلكم الأجر. وأحسب أن العميان وغيرهم من المرضى في هذه الأمة ما نبغ أحد منهم بخير إلا بضميمة حال ابن أم مكتوم الذي حُفظ ذكره في القرآن فكان حاله محفزًا لكل مَن هُم في مثل حاله، وقد صنف الصفدي كتابًا في طبقات العميان من هذه الأمة ذكر فيه الفضلاء المشاهير منهم.