قشة كلام الأقران (تشويه العدول لإنقاذ المجروحين)..
قشة كلام الأقران (تشويه العدول لإنقاذ المجروحين)..
كانت لي صوتية مطولة أتكلم فيها عن موضوع كلام الأقران، والذي معناه أن بعض العلماء تكلم في آخر لداعي الحسد أو المنافسة أو التأول.
وبينت في هذه الصوتية أن كثيراً من الأمثلة التي يقال عنها كلام أقران ليست كلام أقران، لأن هناك سبباً علمياً أو لا تثبت أصلاً.
غير أن بعض أهل زماننا ما فهم الأمر على وجهه، فصار عنده الأصل في كلام أهل العلم أنه كلام أقران، وهذا غير صحيح، فإن كلام الأقران له علامات.
أولها: أن يكون كلاماً شاذاً فاذّاً، يعارضه كلام الأكثر أو الأعلم، وكثيراً ما يكون متبادلاً.
ثانيها: أن يكون المُتكلَّم فيه قريناً للمُتكلِّم سناً أو علماً.
ثالثها: أن يكون الكلام دون أي بينة علمية، ويكون حال هذا الشخص ناقضاً لهذه الدعاوى.
وعادة ما يكون هذا الضرب من الكلام لم يقبله المحققون الذين جاءوا بعد هذه الطبقة بطبقة أو اثنين.
فموضوع (كلام الأقران) مثل (خطأ الثقة) الراوي الثقة الأصل في حديثه القبول، ولكننا إذا وجدناه خالف غيره فإننا نحكم بخطئه، ونقول تحليلاً (لعله دخل حديث في حديث)
ولكنه إذا توبع ذهبت تهمة الوهم، وقد يحمل الشيخ حمالة الخطأ، ولهذا وقع من جماعة من المعاصرين دفع تهمة الحسد أو كلام الأقران عن المتكلمين في إمام أهل الرأي أبي حنيفة.
قال الشيخ بديع الدين السندي في كتابه نقض قواعد التهانوي ص182 دافعاً تهمة الحسد والتعصب عن جارحي الرجل: "ثم قول أكثر المحدثين يكفي لبطلان هذا الوهم أن فلاناً جرحه لتعصبه أو لتعنته أو للمعاصرة أو نحو ذلك، ثم قد أثبت ابن عبد البر الذي هو عمدة عند المصنف عند الحوالة في كتاب الانتقاء وجامع بيان العلم وفضله أن الإمام وأصحابه يقدمون الرأي على الحديث، ثم هم لم يجرحوهم لهذا فقط، بل أسباب أخرى كثيرة قادحة أيضاً لا تخفى على من طالع كتب الرجال".
وقال أبو غدة : "فلا يقبل فيهم -يعني الحنفية- الجرح من المحدثين إلا بعد التأني والتأمل فيه".
فقال السندي: " لا حاجة إلى التأمل، إذا لم يختلفوا وتضافرت أقوالهم".
وقال الألباني كما في أشرطة سلسلة الهدى والنور: "مثلاً: عالمين متعاصرين بلديين احتمال أن يكون بينهما شيء من التنافس أكثر مما لو كان المتعاصرين في بلدين بعيدين نأى أحدهما عن الآخر، هذا مما يلفت النظر أن المسألة تحتاج إلى اجتهاد، كذلك إذا جاء إمام بعد ذلك التعاصر و أيضاً طعن فيمن طعن فيه قرينه ومعاصره فذلك مما يرجح أن الطعن ليس بسبب المعاصرة بل بسبب أن المطعون فيه يستحق الطعن، ثم يتأكد الأمر فيما إذا تتابع علماء الحديث على تأييد ذلك الطعن على مر العصور، فهناك نتأكد أن رد هذه المطاعن المتوجهة للشخص الواحد إنما سببه المعاصرة، لأن هذه المعاصرة لم تتحقق للذين جاءوا من بعد المتعاصرين.
وهذا مثاله واضح جداً في اتفاق جماهير علماء الحديث على تضعيف الإمام أبي حنيفة رحمه الله سواء من كان منهم معاصراً له أو كان ممن جاء بعده، فاتفاقهم على تضعيف أبي حنيفة يبعد إعلال الطعن فيه بالمعاصرة، لأنه لم يستقل بالطعن فيه بالتضعيف المعاصر له كسفيان الثوري وغيره".
قال محمد عبد الرزاق حمزة في كتابه المقابلة بين الهدى والضلال: "قال ابن عبد البر: كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار الآحاد العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه، ويقول: الطاعات من الصلاة وغيرها، لا تسمى إيماناً، وكل من قال من أهل السنة: الايمان قول وعمل، ينكرون قوله ويبدِّعونه بذلك، وكان مع ذلك محسوداً لفهمه وفطنته اهـ.
(قلت) وليست الفطنة والفهم مما يبدع بهما صاحبهما عند أهل السنة إذا جرى صاحبهما على قواعد السنة، ولم يشذ عن جادة الصواب من الكتاب والسنة. فترى ابن عبد البر أثبت تبديع أهل السنة لأبي حنيفة وانكارهم لقوله، وأما قوله: إنه كان مع ذلك محسوداً، فنرجىء معرفة أشخاص الحاسدين له، إلى أن نلقى ابن عبد البر يوم القيامة فنسأله: من هم؟ هل هم مالك والثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد والبخاري!! أو من هم؟ ( هذا سؤال استنكاري )".
أقول: والواقع أن ابن عبد البر نقل الاتفاق على ذلك.
قال ابن عبد البر في الانتقاء (1/149): "كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُ الطَّاعَاتُ مِنَ الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا لَا تُسَمَّى إِيمَانًا وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ وَيُبَدِّعُونَهُ بِذَلِكَ".
فتأمل قوله (كل) و (يبدعونه)
=
=
وقال ابن الجوزي في المنتظم في ترجمة إمام أهل الرأي: "وبعد هَذَا فاتفق الكل على الطعن فِيهِ، ثُمَّ انقسموا على ثلاثة أقسام:
فقوم طعنوا فيه لما يرجع إِلى العقائد والكلام في الأصول.
وقوم طعنوا في روايته وقلة حفظه وضبطه.
وقوم طعنوا فيه لقوله بالرأي فيما يخالف الأحاديث الصحاح".
وأحسب أن هذا يكفي، ويأتي بعدها الكلام عن كون إبراهيم النخعي اتهم الشعبي بالكذب!
وكنت قد قلت في مقال قديم لي: "وقد أورد ابن عبد البر في هذا الباب قصة منكرة يتهم فيها إبراهيم النخعي الشعبي بأنه لم يسمع من مسروق، ونكارة القصة بينة لأن الشعبي يروي عن مسروق بنزول فقد أدرك عائشة وابن مسعود، ومع ذلك يروي عنهما بواسطة مسروق، فلو كان مدعياً السماع من أحد كذباً لادعاه من الصحابة الذين أدركهم.
بل إنه أدرك علياً ورآه ومع ذلك يروي عنه بواسطة الحارث الكذاب، فهذا برهان على أن الشعبي من أبعد الناس عن التدليس فضلاً عما أشنع منه، ولو كان النخعي متهماً إياه ظلماً بشيء لاتهمه بأمر أظهر من هذا.
والمعروف أن الشعبي كان يحب النخعي ويوقره.
قال ابن سعد في الطبقات (6/ 284): قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية ومحمد بن عبد الله الأنصاري قالا: حدثنا بن عون قال: أتيت الشعبي بعد موت إبراهيم فقال لي: أكنت فيمن شهد دفن إبراهيم؟ فالتويت عليه فقال: والله ما ترك بعده مثله. قلت: بالكوفة؟ قال: لا بالكوفة ولا بالبصرة ولا بالشام ولا بكذا ولا بكذا.
زاد محمد بن عبد الله: ولا بالحجاز.
قال: أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان الضبي عن بن أبجر قال: أخبرت الشعبي بموت إبراهيم فقال: احمد الله أما إنه لم يخلف خلفه مثله، قال: وهو ميتا أفقه منه حيا.
قال: أخبرنا جرير بن عبد الحميد الضبي عن مغيرة عن الشعبي قال: إبراهيم ميتا أفقه منه حيا.
وهذه أسانيد قوية.
و قال ابن عبد البر فى كتاب جماع بيان العلم: "له لما حكى عن إبراهيم ما قال في الشعبي: أظن الشعبى عوقب بقوله فى الحارث كذاب، و لم يبن من الحارث كذبه، و إنما نقم عليه إفراطه فى حب على.
أقول: إنا لله وإنا راجعون؛ أما إن الشعبي قد صدق وبر ونصح، والنخعي نفسه يتهم الحارث.
قال مسلم في مقدمة صحيحه مسلم بن الحجاج. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جرير، عن حمزة الزيات، قال: سمع مرة الهمدانى من الحارث شيئا، زاد غيره: فأنكره، فقال له: اقعد بالباب، قال: فدخل مرة، و أخذ سيفه، قال: و أحس الحارث بالشر فذهب.
قال: حدثنى حجاج بن الشاعر، قال: حدثنى أحمد و هو ابن يونس، قال: حدثنا زائدة، عن منصور و المغيرة، عن إبراهيم: أن الحارث اتهم".
أقول: وأزيد هنا إفادة ابن عبد البر ذكر ما يدل على وهن الرواية، وهو رجوع راويها عنها.
قال ابن عبد البر: "2145 - وذكر ابن أبي خيثمة هذا الخبر عن أبيه قال: كان هذا الحديث في كتاب أبي معاوية فسألناه عنه فأبى أن يحدثنا به".
قال المعلمي في تعليقه على الفوائد المجموعة معلقاً على خبر نظير: "ويتأكد وهن الخبر بأن من يثبته عن أبي معاوية يقول: إنه حدّث به قديماً ثم كف عنه، فلو لا أنه علم وهنه لما كف عنه".
علما أن الحديث مروي من طريق نعيم بن حماد، وهذا عامة الحنفية يذمونه ويرمونه بالكذب، ويا ليت شعري إن رويت أمور في مثالب إمام أهل الرأي تطلبوا لها العلل، وخبر مثل هذا يشيعونه في العامة دون تأكد من صحته، وفيه اتهام لإمامين جليلين أحاديثهما في الكتب الستة.
وإذا كان السلف الكرام يصل بهم الحسد إلى هذا الحد ما الذي يبرئكم أنتم من هذه الخصلة هل أنتم أعلم منهم أم أتقى؟
ولو صح هذا الخبر فإجماع الناس على عدالة الشعبي وإبراهيم، وثناء كل الناس عليهم لا يجعلهم باباً للقياس على رجل جرحه جماعة من النقاد في زمانه وبعد زمانه حتى اجتنبوا الرواية عنه في كتب الحديث المشهورة.
وقد أشاع بعضهم رواية عن الضحاك بن مزاحم أخذها من جامع بيان العلم وفضله من طريق ضمرة، عن ابن شوذب، قال: كان الضحاك بن مزاحم يكره المسك، فقيل له: إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - تطيبوا به. قال: نحن أعلم منهم.
وقد قال المعلق على كتاب قبول الأخبار للكعبي لما أورد هذا الخبر : "كذا بالمخطوط. والإنسان من المسلمين لا يكون أعلم من الصحابة رضي الله عنهم مهما بلغ من المكانة بأمور الدين، فهم الأعلم بمقصود الدين، أما أمور الدنيا فكل إنسان أعلم بأمور نفسه من غيره، فالضحاك بن مزاحم أعلم بنفسه وأمورها الدنيوية من غيره، والمسك من الأمور الدنيوية وليس من أمور الدين التي يستقم بها حال الإنسان مع ربه والله أعلم، هذا إن صح هذا عن الضحاك".
أقول: قد أحسن في قوله (إن صح هذا عن الضحاك) فهي رواية شاذة، وذلك أن عبد الله بن شوذب لا يعرف بالرواية عن الضحاك، وليس له في الكتب عنه إلا هذا الأثر، حتى أن المزي لما عد تلاميذ الضحاك ما ذكره (ولما مات الضحاك كان عمر ابن شوذب 16 عاماً ولكن الشأن متى بدأ الطلب)
=
=
وضمرة بن ربيعة فيه كلام أصلاً، وهو محتمل بالجملة، لذا مثل هذه الروايات لا يجوز الاعتماد عليها لرمي رجل فاضل بكلمة مثل هذه، ثم إنها ليست مشهورة عنه ولا مدونة ولا رواها أصحابه المختصون وهو شديد التعظيم للصحابة حتى أن عامة تفسيره عنهم .
وأما كلام الزهري في أهل مكة (والروايات كلها لها مصدر واحد تاريخ ابن أبي خيثمة) فقلت في مقال لي: "حمل ابن عبد البر هذه الكلمة على كلام الأقران، وتعقب الزهري بوجود علماء أفاضل في أهل مكة، والحق أن كلمة الزهري لها توجيه حسن، وهو أن الزهري لما ذهب إلى مكة رآهم يتعاملون بربا الفضل (الصرف)، ومتعة النساء اتباعاً لفتيا ابن عباس التي حكي تراجعه عنها.
فلما رآهم على ما يراه زناً ورباً، ويتشبثون بزلة عالم قال فيهم تلك الكلمة، لقوة فتنتهم للناس خصوصاً مع كونهم أهل الحرم والناس يفدون إليهم من كل الأقطار، فقال كلمته تلك حمية لله ولدينه، لا لداعي الحسد والمنافسة غفرانك اللهم!
وقد قال ابن عبد البر نفسه في التمهيد (10/115): "وقد كان العلماء قديما وحديثا يحذرون الناس من مذهب المكيين أصحاب ابن عباس ومن سلك سبيلهم في المتعة والصرف، ويحذرون الناس من مذهب الكوفيين أصحاب ابن مسعود ومن سلك سبيلهم في النبيذ الشديد، ويحذرون الناس من مذهب أهل المدينة في الغناء".
فهل خرج الزهري عن سنن أهل العلم؟!
وأما كون أهل مكة فيهم علماء فمعلوم أن نصوص المدح والذم لا تنزل على كل الأعيان بل تنزل على الأغلب، فمن ذلك فضائل اليمن والشام، وما قيل في ذم الفدادين أهل الإبل في ربيعة ومضر والأعراب عموماً.
وهنا لفتة مهمة: لم يتهم أحد الزهري بالغلو في الجرح، مع قوله لتلك الكلمة الغليظة، وذلك لكونهم يعلمون علم اليقين أنه قالها ديانة، وتأمل كيف أن الخلاف فقهي وهم متبعون لعالم، ومع ذلك أغلظ فيهم القول لما كانت الأدلة واضحة في المسألة".
ولو فهم من كلمة الزهري العموم فهي معارضة بحال من أثني عليه من أهل مكة، وهو نفسه كان يروي عن علماء منهم، مثل عبد الله بن محيريز المكي، وفقيههم الجبل عطاء بن أبي رباح مع مقاربته له في السن وروي عنه الثناء عليه.
وكان الواجب على المشتغلين اليوم إظهار مناقب أهل الحديث وأحوالهم الطيبة لا إظهارهم بصورة الحسدة للتهوين من شأن الخلاف مع قوم مخالفين ما خرج لهم في كتب الحديث الستة.
ولا أدري ما الذي يجعلنا نقبل ما يرويه ابن أبي خيثمة وينفرد به ثم نرفض روايات عبد الله بن أحمد؛ والعقيلي؛ والبخاري؛ وابن حبان؛ ويعقوب بن سفيان التي لا تعجبنا في إمام أهل الرأي، إن هو إلا الهوى.
وهؤلاء تجد المرء منهم يتكلم عن ثناء الأشاعرة على شيخ الإسلام ابن تيمية (وحقاً كثير منهم أثنى عليه) وتجد المرء منهم يثني على الخصوم ثم يرمي أئمة السلف بالتتابع على حسد رجل ضعيف في الحديث، أترى أنك أنت والأشاعرة المتأخرين أعظم إنصافاً وأصفى قلوباً من جمهور السلف! إن لم يكن جميعهم.
الاستدلال بصفة على صفة من أقوى مسالك نقض التفويض
كثيراً ما يستنكر أهل الباطل أحكاماً في الأخبار التي يعتبرونها ظنية لمعان حاضرة في الأخبار القطعية.
فعلى سبيل المثال من يتأثر بالقيم الليبرالية والحرية الدينية يستنكر حد الردة، وكيف يقتل إنسان لأنه غيّر عقيدته، فهذا تذكر له ما حصل للذين عبدوا العجل، وأنهم عوقبوا بقتل أنفسهم مع أن عقوبة الردة عندنا أهون، وإنه مع التوبة لا قتل. وقصة الخضر مع الغلام الذي قتله رحمة بأبويه {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً}.
وكذلك من يستنكر عقوبة الرجم لشدتها يذكر له حد الحرابة، وينبه على الحكم الأخرى من كون هذه العقوبة كفارة وردع.
وكذلك من استنكر حكماً بناءً على اعتقاد المساواة بين الجنسين يذكر له قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} لبيان أن التفاضل قد يقع، ويكون فيه الحكمة والمنفعة للجميع.
وكثير ممن يشغب على أخبار الآحاد، ويتكلم بالقطعي والظني، لا يتنبه لهذا المعنى، وهو أن كثيرا من المعاني التي يستنكرها البعض في أخبار آحادية هي موجودة ضمنا في نصوص قطعية الدلالة، علمها من علمها وجهلها من جهلها.
وقد كان السلف الكرام يستخدمون هذا المعنى مع المعطلة حين كانوا يشوشون على بعض الأحاديث في باب الصفات، فيأتونهم بنظيرها من القرآن، وهذا المسلك عند السلف من أهم الأدلة على أنهم ليسوا مفوضة، لأن المفوض لا يثبت المعنى، والاستدلال بصفة على صفة لا بد فيه من ملاحظة معنى مشترك بين الصفتين.
قال أبو عثمان الصابوني الشافعي في عقيدة أصحاب الحديث: "سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم -يعني: ابن راهويه - فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: نعم.
فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله تعالى ينزل كل ليلة؟ قال: نعم.
قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبَتُّه فوق، فقال إسحاق: قال الله عز وجل: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب! هذا يوم القيامة.
فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟".
أقول: هذا الخبر عن إسحاق واضح في الإثبات، إذ يستدل بصفة المجيء على صفة النزول، وهذا يدل على أنه يفهم منهما معنى مشتركاً، وهذا نقيض التفويض.
وقد ذكر هذا الخبر قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة، وقال أبو يعلى في إبطال التأويلات: "وقد ذكر أبو بكر النقاش في كتاب الرسالة في قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} لو كان الجائي غيره لكان الجائي غير الملك، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: سألني رجل من الجهمية أنه قال: إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلوا منه العرش؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل ولا يخلوا منه العرش؟ قال: فسكت، قال: فقلت: إن قلت يقدر خصمت، وإن قلت لا يقدر كفرت، ولأن تكون مخصوما خير من أن يكون كافرا. قال إسحاق: وسألني رجل عن نزول الرب وما توهم الرجل عند ذلك، فقلت: ما توهم عند قوله: {يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} فيكون توهمك عند النزول مثل توهمك {وَجَاءَ رَبُّكَ}".
وممن استخدم هذه الطريقة الإمام محمد بن إسحاق بن مندة المحدث الحنبلي المتوفى عام 395هـ في كتابه الرد على الجهمية، حيث أورد أخباراً عديدة في إثبات صفة اليدين لله تبارك وتعالى ثم قال:
-ذكر خبرا آخرا يدل على ما تقدم في معنى اليد- أخبرنا عبد الله بن إبراهيم المقرئ، ثنا رجا بن صهيب، ثنا يعقوب الحضرمي، ثنا شعبة، ثنا أحمد بن عبد الله بن الحسن العدوي، بمصر، ثنا معاذ بن المثنى، واللفظ له، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «ساعد الله أشد من ساعدك، وموسى الله أحد من موساك»".
فاستدل بذكر الساعد على تثبيت اليد، وهذا يدل على أنه يفهم معنى اليد، وهذا أبعد ما يكون عن التفويض، وكل ذلك التنزيه لله عز وجل عن مشابهة الخلق كما في جامع الترمذي :"قال إسحاق بن إبراهيم: "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد، وسمع، وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها".
=
=
ومن الفوائد التي وقفت عليها مؤخراً أن أبا عمر المقدسي (شقيق ابن قدامة الموفق الفقيه المعروف) المشهور بالولاية والكرامات، قد افتتن به الجهلة بعد موته وعبدوه من دون الله.
له منظومة في العقيدة يصرح فيها بقاعدة (الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات)
قال ابن فضل العمري في مسالك الأبصار: "وأنشد لنفسه أيضا:
أوصيكم بالقول في القرآن ... بقول أهل الحق والإتقان
ليس بمخلوق ولا بفان ... لكن كلام الملك الديّان
آياته مشرقة المعاني ... متلوة لله باللسان
محفوظة في الصدر والجنان ... مكتوبة في الصحف بالبنان
والقول في الصفات يا إخواني ... كالذات والعلم مع البيان
إمرارها من غير ما كفران ... من غير تشبيه ولا عطلان
وقال أبو شامة: أخبرني بعض أصحابنا الثقات، أنه رأى الإمام الشافعي في المنام، فسأله: إلى أين تمضي؟. قال: أزور أحمد بن حنبل، قال: فاتّبعته، أنظر ما يصنع؟. فدخل دارا، فسألت: لمن هي؟ فقيل: للشيخ أبي عمر- رحمه الله تعالى".
وأبو شامة أشعري، ولكن أبا عمر مثل الجيلاني كراماته كثيرة متواترة يعترف بها الجميع، وقد كان في الناس بقية إنصاف.
وقاعدة "الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات" وجدت بعضهم يعترض عليها ولم يفهمها، فكأنه فهم منها أن لكل صفة أحكام الذات من كل وجه، والأمر ليس كذلك. بل المقصود أنه إذا أثبنا ذاتاً حقيقية دون اقتضاء ذلك التشبيه فالأمر في الصفات أهون، علماً أنه لا يوجد ذات بلا صفات أصلاً.