كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

معضلة صفة الإرادة عند الإمامية

المصدر
معضلة صفة الإرادة عند الإمامية حين اختلف المعطلة النافون للأفعال الاختيارية لله عز وجل في صفة الكلام فهي فعل اختياري ولا شك فمنهم من كابر هذه الحقيقة وزعم أن الكلام في حق الله صفة ذاتية لا تنفك عن الذات ولا تتعلق بالمشيئة ونفى كل ما يدل على ذلك من وجود الحرف والصوت التتابع فجاءوا بشيء غير الكلام المعروف وسموه كلاما نفسيا وهذا مذهب الكلابية والماتردية والأشعرية وأما المعتزلة فيقولون الكلام هو الكلام المعروف بحروفه وكل صفات الكلام المعهودة ولكنه مخلوق مفعول وربما قالوا هو من صفات الفعل ولا يريدون أنه فعل يقوم بالذات وتتعلق به المشيئة بل يريدون أنه فعل متعدي أو مفعول ففي القرآن التفريق بين الفعل اللازم والمتعدي ( ألا له الخلق والأمر ) ( الخلق ) المتعدي (الأمر ) اللازم القائم بالذات ابتداء وأيضا قوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ( كن ) اللازم ( فيكون ) المتعدي وإن شئت فقل للتقريب هناك فعل ومفعول فالمعتزلة يثبتون المفعول ويسمونه صفة فعل وينفون الفعل ( والحديث عن صفة الكلام ) وأما أهل السنة فيثبتون لله الصفات الفعلية الاختيارية خلافا للفريقين اختلفوا في صفة الإرادة اختلافا من جنس اختلافهم في صفة الكلام فالأشعرية قالوا إن الإرادة صفة ذاتية لا تنفك عن الذات والمعتزلة اختلفوا على مقالات من أشهرها قول المعتزلة البصريين أنها حادثة من صفات الفعل ( لا في محل ) ومنهم من جهر وقال الإرادة هي عين المخلوق يعني مخلوقة ومن ها هنا تبدأ معضلة كبيرة للشيعة الإمامية فإن عامة مراجعهم بعد عصر المفيد يقولون بمذهب الأشعرية وعلى هذا عامة المعاصرين منهم يقولون الإرادة صفة ذات موجودة بوجوده ( ومنهم من يقول هي عين الذات ). ولكن الروايات عن المعصومين عندهم تقضي ببطلان هذا المذهب وأن الإرادة حادثة ( كما هو مذهب المعتزلة ولعل بعضها قد يتفق مع مذهب أهل السنة ) بل وتحكم على من يقول بأن الإرادة أزلية بأنه مشرك أو ليس موحدا بما يقتضي تكفير عامة مراجع الإمامية في عصر الغيبة الكبرى عقد الكليني في (أصول الكافي) باباً سماه (باب الإرادة أنها من صفات الفعل) وذكر بعض الروايات التي تؤيد هذا المعنى. ولما كانت صفات الفعل خارجة عن ذاته تعالى، فإرادته تعالى لا تكون عين ذاته على هذا الاساس. وذكرَ نعمة الله الجزائري في (شرح التهذيب) في مقام بيان الفروع التي وقع التعارض فيها بين العقل والنقل مسألة الارادة، وقال: إن المتكلمين من أصحابنا أقاموا البراهين العقلية على كونها عين الذات، في حين ورد في الاخبار المستفيضة أنها زائدة عليها، وأنها من صفات الأفعال. أقول : ولهذا الخميني رفض الروايات عن المعصومين بحجة أن ظاهرها يخالف البرهان المتين ولكن ما استطاع لها تأويلاً فهي تصيح بمعارضة مذهبه في التوحيد للصدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا (عليه السلام): (المشيئة والارادة من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد) هذا المذهب الذي يحكم الرضا على أهله أنهم ليسوا موحدين هو مذهب من قال الإرادة عين الذات وهو مذهب المتكلمين من أصحابهم كما قال الجزائري وفِي التوحيد للصدوق عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قلت له: لم يزل الله مريداً؟ قال إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، بل لم يزل عالماً قادراً، ثم أراد) وقد ذهب الطباطبائي صاحب الميزان إلى أن الإرادة صفة فعلية موافقا للروايات إذ يقول في تفسير سورة يس من ميزانه : (والإرادة صِفة فعلية منتزعة من مقام الفعل). وهذا موقف عزيز في متأخري الإمامية وقد رأيت بعض الشيخية المعاصرين عليه وبقي أن يقال : إن ظاهر النصوص أن الإرادة صفة فعلية قائمة بالذات وإذا أثبتناها على هذا الوجه وأثبتنا لله عز وجل أفعالا اختيارية تليق به ، كل فعل قبله فعل إلى ما لا بداية وكل فعل له بداية ونهاية في نفسه كما قال أحمد ( لم يزل الله متكلما إذا شاء ) ( وإذا ثبت جنس أفعال لا بداية له عقلنا جنس مفعولات كذلك ولا يلزم من ذلك تسلسل باطل فالتسلسل الممتنع هو تسلسل المؤثرات أو تسلسل الفاعلين ونحن نتكلم عن أفعال ومفعولات كل واحد منها له بداية ونهاية بشكل مستقل ويعود في النهاية إلى نفس المؤثر ) فإننا سنخرج من إشكالات الفريقين على بعضهما والمعضلة حقا أن تقضي روايات من تعتقد عصمته على عقيدتك بالكفر ، فاخرج من هذه المعضلة بدلا من اتهام الآخرين بالتطرف فأنت إن حوكمت إلى أصولك لا تسلم.