النافعون الأخفياء
النافعون الأخفياء
منفعة المسلم للمسلم أو حتى غير المسلم لها وجه ظاهر يضبطه عامة الناس، مثل بذل الخير في نفس أو مال أو عرض أو دفع الشر في مال أو نفس أو عرض أو تعليم العلم النافع.
وغالبًا هذا يستلزم معرفةً بين النافع والمنتفع، غير أن هناك صورًا خفية من النفع دلَّ عليها الشرع.
كمنفعة الصالحين لغيرهم بالدعاء، فقد قال الله تعالى في الملائكة: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} [غافر]
وذكر عن بعض أنبيائه الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وهكذا كثير من الصالحين يستغفرون للمؤمنين، مَن عرفوهم ومَن لم يعرفوهم، وربما انتفع بذلك إنسان فغُفِر ذنبه فتحققت له أعظم المنفعة التي يمكن أن تتحقق لبشر من شخص ليس بينه وبينه معرفة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه". رواه مسلم
وهؤلاء الأربعون قد يُتمِّم عددهم من لا يعرفه الميت وإنما يحمله على حضور جنازته والدعاء له طلب الأجر.
وعن عبد الله بن عمرو، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». متفق عليه
والسلام في أصله دعاء بالسلامة من الآفات وحصول الخيرات والزيادة في ذلك، فقد يسلِّم عليك من يستجيب الله دعاءه فيك وأنت لا تعرفه فتكون منفعة عظيمة خفية.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". متفق عليه
وهذه بركة الصالحين على بعضهم البعض وإن تباعدت أقطارهم وجهل بعضهم بعضًا، وهذا تحقيق لمعنى الأخوة.
وهذا من أسباب محبة الناس سليمي الفطرة للصالحين، فهم لا يستشعرون بركة الدعاء المباشر فحسب، بل يشعرون بنفعهم الخفي والجلي فيشكرون لهم، غير أن بعض الناس غَلا حتى عَبَد الصالحين ونسي رب العالمين، فهذا هو الشقي حقًّا.
وقد يكون المرء فيما يرى الناس صالحًا وهو في نفسه مليء بأدواء القلوب، وقد يكون في نظرهم ليس بذاك وفيه من التواضع والعبادات الخفية الشيء العظيم، ولا يحملنك هذا الكلام على الزهد بالسنن الظاهرة فإنما أريد تنفيرك من الآفات الباطنة لا السنن الظاهرة، وربما كنتُ أحوج منك إلى هذا التذكير.
ومن صور النفع الخفي والذي لا يشعر به كثير من الناس ما يقع من أهل العلم من حث الناس على الفضائل، فيُحسِن الناس إليك تأثُّرًا بكلامهم.
فيبر الولد والده ويحسن الوالد لابنه تأثُّرًا بوعظ أو تذكير، وكذلك في الجيران والزوج والزوجة وفي تعاملات الناس، فكم من إنسان ترك الربا أو السرقة أو الرشوة او الغش تأثُّرًا بوعظ أو تذكير.
والعجيب أنك تجد كثيرًا ممن ينتفع هذا النفع الخفي يُحارِب من ينفعونه، وكما قال الإمام أحمد في أهل الحديث: ما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم.
ومِن أخفى صور النفع هو ما كان ظاهره شدة، كسبي المشرك والمشركة ويكون هذا السبي سببًا في إسلامهم، كما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام".
وكإقامة الحدود ويكون ذلك سببًا في تكفير الذنوب، والإنكار على أصحاب المنكرات مما يجعلهم يستَخْفُون بها ويكون ذلك أعون لهم على تركها إن رغبوا بذلك.
ومن هذا الضرب الأخير عقوبات أهل البدع من الإنكار عليهم مما يُقلِّل أتباعهم، وحتى بعض فضلاء أهل العلم الإنكار عليهم يقلل أتباعهم على الباطل، فيكون الذابُّ عنهم بالباطل ضارًّا لهم والمنكِر عليهم بالعلم والعدل نافعًا لهم أشد النفع.
ولهذا كان أهل الورع والديانة يتكلمون في الرواة جرحًا وتعديلًا، وكذلك يتكلمون في عقائد المشاهير من باب النصح والنفع للجميع، وهذا الباب هو الأخفى ويَنفِر منه الناسُ أشد النفرة، مع أنهم يعقلون الشدة النافعة من الوالدين على أولادهم أو من المعلمين على تلاميذهم ولكن لا يضبطون الأمر إن كان في سياقات الذب عن الدين ودرء التحريف عنه.
غير أن هذا الباب يحتاج إلى نية ككل أبواب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غنى للناس عنها ولا يسع المتأهل التخلف عن مقام فيه نصرة الحق ولا غنى للقائم بها عن مراجعة نيته دون أن يكون ذلك بابًا للوسواس المثبِّط عن الخير.