كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

سطح ثم ميع

المصدر
سطح ثم ميع يعاتبني كثيرون في مذهبي في موضوع أهل الرأي ويلحون كثيراً في ترك الحديث في هذا الأمر وإنني لأكاد أركن إليهم حتى أجد في ثنايا كلامهم تسطيحاً عظيماً للبحث وسوء ظن بالسلف الذين نميل لمقالتهم ثم أرى لهم النشاط نفسه في التعامل من يتكلم في هذه المسألة بغير قولنا وإذا جئنا نرد عليه وننتصر لقولنا ظهروا فجأة وقالوا : متى نترك هذه الأبحاث ؟ وهذا يشعرني بعدم مصداقية في النصح خصوصاً وأنهم يرون سباً وتجديعاً من المخالفين الذين لا يفهمون البحث وإنما يقلدون السائد ثم هم يسكتون على ذلك ثم إذا ظهر بعض الناس يواجهون الشدة بشدة صار التباكي يملأ الدنيا ومنهجية التسطيح ثم الاعتذار ثم الدعوة للاجتماع والتسامح منهجية سائدة في هذا العصر سواء في الخلاف مع الإمامية أو الفرق الكلامية وأخيراً الباب الشائك وحقل الألغام الخلاف مع أهل الرأي فدائماً هناك منطقة محظورة يخشى من الدخول إليها لأنها قد تؤدي إلى نتائج ( غير إعذارية ) مما يعطل الرؤى الموجودة في خيالات الكثير من حملة دعاوى الإصلاح والواقع أن الإصلاح لا يبنى على فساد التسطيح والتسامح غير محل التسامح اشتهر عند عدد لا بأس به من الباحثين تبرئة أهل الرأي من رد الأحاديث بل والقول أنهم يقدمون الخبر الضعيف على القياس وهذه الكلمة دائماً توضع في مقابل كلام من تكلم فيهم من السلف خصوصاً وأن المتكلم بهذه الكلمة علماء أجلاء محل اتفاق عند الجميع ولكن الاتفاق على فضيلة العالم لا تعني التسليم بكل ما يقول خصوصاً مع وجود من يخالفه يستدل القائلون بهذا بأن أهل الرأي اشتهر عنهم القول بنقض الوضوء من القهقهة وقولهم بجواز الوضوء من النبيذ واعتمدوا في كل ذلك على أحاديث ضعيفة ولا يخفى كون هذه الأحكام على خلاف القياس فالمرء لا ينتقض وضوءه من القذف مثلاً وبناء على كل ما سبق نسبة أهل الرأي إلى رد الأحاديث الصحيحة إذا خالفت القياس نسبة باطلة متحاملة هذه هي الخلاصة المنتشرة بين كثير من طلبة العلم وقد كنت أتمنى لو كان هذا الكلام دقيقاً فإن المرء المسلم لا يفرح بزلل الناس ولا بعدهم عن السنة غير أنه ليس دقيقاً نهائياً لقد كان في الكوفة فقهاء عاصروا إمام أهل الرأي مثل سفيان الثوري والحسن بن صالح وشريك بن عبد الله ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وكل واحد من هؤلاء له مذهب فقهي وأقوالهم منشورة في كتب الفقهاء إلى يومنا هذا حتى كتب أهل الرأي منها وفي الطبقة الأعلى منهم كان هناك فقهاء مثل حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت ومن الطبقة الأعلى منهم كان هناك الشعبي وإبراهيم النخعي وفي الطبقة الأعلى كان هناك أصحاب ابن مسعود وشريح القاضي وغيرهم كل هؤلاء فقهاء من الكوفة لهم فتاوى في كل أبواب الفقه ولهم مخالفات للأحاديث على غير قصد منهم وإنما لكون الأحاديث لم تبلغهم سترى أن أهل الحديث يحترمون فقه هؤلاء جميعاً ويردون على زلتهم مع حفظ قدرهم بخلاف موقفهم من إمام أهل الرأي الذي شددوا عليه المقال فهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أنه جاء بشيء زائد وما كان أئمة السلف سفهاء حتى يذموا رجلاً ويشددوا عليه الذم وهو وقع فيما وقع فيه معظمون كبار الأمر الذي لا تخلو منه مدونة أصولية ذكر قواعد أهل الرأي التي خالفهم فيها الجمهور والتي من أجلها ردوا الكثير من الأخبار الصحيحة مثل اعتبار الزيادة نسخ والسنة لا تنسخ القرآن وبالتالي إذا جاء الحكم في القرآن تفصيلياً وزادت عليه السنة فإنهم لا يقبلون ولهذا ردوا التغريب تغريب الزاني ولكنهم يقبلون التخصيص لهذا قبلوا الرجم المتواتر ومثل أصلهم في أن خبر الواحد ( وليس الآحاد فبينهما فرق ) لا يقبل فيما تعم به البلوى وأن خبر الواحد لا يقبل إذا خالف قياس الأصول وخبر الواحد لا يقبل في الحدود حتى يعضده عاضد من إجماع الصحابة مثلاً أو قرائن هنا وهناك ومثل تفاصيلهم في رواية الفقيه وغير الفقيه وإذا رجعت لعموم المدونات الأصولية التي على غير مذهب أهل الرأي لوجدتهم يردون على أهل الرأي ويلزمونهم التناقض فمثلاً في ردهم التغريب يلزمونهم بقولهم بالوضوء من النبيذ وأنه زيادة على ذكر التراب والماء في القرآن ويلزمونهم فيما تعم به البلوى بأنهم قالوا بوجوب الوتر وهذا تعم به البلوى بخبر واحد وفي الحدود يلزمونهم بأنهم قالوا بقتل الكافر بالمسلم بخبر واحد معارض بما هو أقوى منه وهكذا =