كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليس هذا عشك فادرجي..

المصدر
ليس هذا عشك فادرجي.. العائل المستكبر في العلم هو ذاك الذي يخوض في أبحاث هو جديد العهد بها بثقة عجيبة ويتعقب ويطيل لسانه، وهو أصالة يرد على أئمة الفن وليس على شخص معاصر. حين تفتح أي مدونة أصولية متوسعة ستفهم وجود مدرستين: مدرسة اسمها أهل الرأي، وأخرى اسمها أهل الحديث (وهذه الأخيرة قد تقسم إلى مدرسة أهل المدينة ومدرسة الشافعي وأحمد). هناك مشتركات بين هذه المدارس وهناك خلافيات خصوصاً في باب قبول الأخبار، فهناك ما لا يقبله أهل الرأي ويقبله عامة المحدثين مثل: خبر الواحد إذا خالف قياس الأصول؛ ومبحث هل الزيادة نسخ لها أثر على البحث؛ ومبحث خبر الواحد فيما تعم به البلوى، وخبر الواحد في الحدود. ويمكن إرجاع تشنيع متقدمي أهل الحديث على أهل الرأي إلى هذه المباحث الأصلية، خصوصاً مع تناقض أهل الرأي فيها وقبولهم أخباراً واهية لا ترقى إلى ما خالفوه من السنن. فقد يقع من الفقيه مخالفة حديث لأنه لم يبلغه أو رآه منسوخاً أو عارضه بخبر هو عنده أقوى، فهذا كله قد يقع ويكون معذوراً ولا يُتبع على زلته، ولكن من خالف الأخبار لأصول فاسدة أوجدها ثم هو نفسه ناقضها فهذا هو محل التثريب عندهم. هذا باختصار حقيقة الفرق بين خطأ الفقهاء من أهل الحديث وخطأ فقهاء أهل الرأي. والآن نأتي إلى المقصود: ترجم الخطيب البغدادي ترجمة وافية لأبي حنيفة النعمان بن ثابت كانت أطول ترجمة في كتابه من بين أكثر من 7700 ترجمة أورد فيها ما قيل من المدح والقدح وجعل الكلام فصولاً لئلا يضجر القاريء. وكان مما قاله: "ذكر ما حكي عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال". فذكر أموراً تنسب له ولا تثبت مثل القول بفناء الجنة والنار، وذكر أموراً أخرى تتعلق برده الأخبار. فأورد أثراً عن أبي إسحاق الفزاري: "حدثت أبا حنيفة حديثا في رد السيف، فقال: هذا حديث خرافة". (وقد أورد هذا الأثر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة بسند قوي). وأورد أثراً عن يحيى بن آدم: "ذكر لأبي حنيفة هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الوضوء نصف الإيمان". قال: ليتوضأ مرتين حتى يكمل الإيمان." (وصحح هذا الأثر المحقق الحنفي بشار عواد معروف، وواضح من الأثر التهكم لأنه لا يقول بتفاضل الإيمان أصلا). وأورد آثاراً عديدة في هذا السياق من رد السنن بألفاظ غريبة وضرب الأمثال للسنن، وفيها ما هو متكلم في إسناده وفيها ما هو محتمل وفيها الثابت، وفي هذا السياق أورد هذا الخبر من طريق إبراهيم بن شماس: "قال: سمعت وكيعا، يقول: سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلا عاقلا، فقال ابن المبارك: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية، فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئا". فلماذا يذكر الخطيب هذا الخبر في مستنشعات الأقوال التي نقلت عن الرجل مع أنه مجرد مناظرة فقهية فيها تبسط بين الأصحاب كما يصور البعض؟ ولماذا يورد هذا الخبر قبله عبد الله بن أحمد في كتاب السنة في الفصل الذي جعله في مثالب الرجل؟ ولماذا يقول ابن قتيبة أن إسحاق بن راهوية كان من أكثر الناس تنقصاً لأهل الرأي ثم يذكر بعدها روايته لهذا الخبر؟ وقال أبو زرعة الرازي كما في سؤالات البرذعي وهو يتكلم عن إمام أهل الرأي: "ويرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستهزىء بالآثار". وأبو زرعة من أئمة الجرح والتعديل وقد نشأ حنفيا ثم صار من أهل الحديث، وما قاله تعضده تلك الآثار التي أوردها الخطيب في تاريخه وابن حبان في المجروحين وغيرهم، وسفيان خالف في مسألة رفع اليدين ولكنه ما كان يستهزيء بالمخالف لأن حكمه عند نفسه ظني، فقد يكون الحق مع المخالف ويكون هو استهزأ بالحق هذا نظير التعامل مع أخبار بني إسرائيل بالاحتياط. قال البخاري في جزء رفع اليدين: "وكان الثوري ووكيع وبعض الكوفيين لا يرفعون أيديهم ورووا في ذلك أحاديث كثيرة ولم يعنفوا على من رفع يديه". لاحظ قوله (ولم يعنفوا على من رفع يديه) يعني لا استهزأوا ولا حتى أنكروا إنكاراً شديداً، وأثر ابن المبارك ليس هو الوحيد في الباب. وقد بقيت آثار هذا التعصب من أهل الرأي إلى زمن متأخر، وقصة السبكي مع الحنفي الاتقاني الذي كان يبطل صلاة من يرفع يديه قبل الركوع وبعده معروفة، وليس كل الحنفية على ذلك بل كثير منهم أثنى على رد السبكي وإن لم يوافقوه في أفضلية الرفع، ولكن هذا بقي فيهم إلى عهد المتأخر ولا زال له حضور. وقال ابن رجب في فتح الباري (6/322): "وسئل الإمام أحمد، فقيل لهُ: إن عندنا قوما يأمروننا برفع اليدين في الصلاة، وقوما ينهوننا عنه؟ فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل ذلكورسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع. فلم يبدع إلا من نهى عن الرفع وجعله مكروها، فأما المتأول في تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه". والاستهزاء هو ضرب من النهي -بخلاف النقاش في الأفضلية- ومن تكرر منه فعل حسب المشتبه من أفعاله على سنته المتكررة.