عوام الإمامية أفقه من السيستاني في هذه المسألة!
عوام الإمامية أفقه من السيستاني في هذه المسألة!
كنت قد سمعت قصة من بعض كبار السن تتحدث عن قرية شيعية في العراق حصلت فيها جريمة قتل إذ وجدوا رجلًا مقتولًا في بستانه، فقام رجلان وشهدا عند القاضي (وكان مصريًّا) أنهما رأيا فلانًا بن فلان يقتل ذلك الرجل، وحلفا على ذلك أيمان الشهادة.
فجاء الرجل المتهم وقال للقاضي: ليحلفا بحق فوادة أم هاشم. وهي امرأة علوية تُعبَد من دون الله في العراق، فلما طلب منهما القاضي ذلك امتنعا عن الحلف وأظهرا النكول، فقد استسهلا الحلف بالله كذبًا ولكنهما خافا ممن يريانها ولية!
هذه القصة قد تبدو طريفة وعجيبة، ولكن الأعجب إذا علمت قول فقهاء الشيعة المعاصرين في هذه المسألة، فهم يرون الحلف بفوادة أم هاشم لا تنعقد به الشهادة ولكنه في الوقت نفسه جائز!
جاء في منهاج الصالحين للسيستاني (مرجع الشيعة الأكبر اليوم): مسألة ٦٩١: "يجوز الحلف بالنبيّ -صلّى الله عليه وآله- والأئمّة -عليهم السلام- وسائر النفوس المقدّسة وبالقرآن الشريف والكعبة المعظّمة وسائر الأمكنة المحترمة، ولكن لا تنعقد اليمين بالحلف بها ولا يترتّب على مخالفتها إثم ولا كفّارة".
فإن قيل: ما وجه الغرابة في قول السيستاني؟
فيقال: قولك هذا يمين جائز ولكن لا يترتب الإثم على الخلف به ولا تنبني عليه أحكام كقولك هذا عقد نكاح صحيح ولكن لا يترتب عليه صحة نسب الأبناء من هذا النكاح أو كقولك هذا بيع صحيح ولا يترتب عليه نقل الملكية من البائع إلى المبتاع.
هذا ضرب من ضروب السفسطة التي لا يعرفها الفقهاء، بل بعض العقود غير الصحيحة كنكاح الشبهة قد يترتب عليه بعض الآثار لاعتبار الشبهة فيه، أما أن يكون الشيء صحيحًا أو جائزًا ولا تترتب عليه أي آثار فهذا ما لم يقل به عاقل قط.
والسبب في قول السيستاني هذا أن الشيعة أدمنوا الحلف بغير الله فقام فقاؤهم وأحلُّوا لهم ذلك بالتمحلات، ثم لما نظروا في كلام فقهائهم القدامى وجدوهم مجمعين على المنع من اعتبار الحلف بغير الله يمينًا منعقدة لأنه حرام عندهم.
فلفَّقوا بين إجماع علمائهم ومداهنتهم للعوام فخرجوا بهذا القول الغريب.
لهذا تجد عوامهم لا يؤمنون بهذا التفصيل ويحلفون بغير الله حتى عند القضاة أو عند النزاعات ويظنونها يمينًا منعقدة، ويظنون أنهم إن لم يبروا بهذا القسم فإنهم يأثمون وتلحقهم العقوبة، وتأمل قول السيستاني أنهم لا يأثمون بمخالفة هذا اليمين، فكيف تلزم العقوبة على شيء لا يأثم فيه المرء؟ ثم الكذب دائمًا صاحبه آثم، فكيف إن أكَّد بيمين ولو غير منعقدة؟!
قال الخميني في تحرير الوسيلة: "لا يصح الحلف ولا يترتب عليه أثر من إسقاط حق أو إثباته إلا أن يكون بالله تعالى أو بأسمائه الخاصة به تعالى كالرحمن والقديم والأول الذي ليس قبله شيء، وكذا الأوصاف المشتركة المنصرفة إليه تعالى كالرازق والخالق، بل الأوصاف غير المنصرفة إذا ضم إليها ما يجعلها مختصة به، والأحوط عدم الاكتفاء بالأخير، وأحوط منه عدم الاكتفاء بغير الجلالة ولا يصح بغيره تعالى كالأنبياء والأوصياء والكتب المنزلة والأماكن المقدسة كالكعبة وغيرها".
وجاء في كتاب التنقيح الرائع لمختصر الشرائع لجمال الدين الحلي المتوفى عام ٨٢٦ في باب الإيلاء:
«أجمع أصحابنا على أنه لا حكم لليمين إلا أن يكون بالله سبحانه لوجوه:
الأول: أن القسم يستلزم تعظيمًا لذلك الشيء المقسم به، ولما لم يكن مستحق للتعظيم المطلق وبالذات سوى الله لم يجز القسم إلا به.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر". (وعزا في الحاشية لجامع الترمذي)
الثالث: قول الباقر عليه السلام في رواية ابن مسلم: "إن الله يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلا به"».
وذكر خلافهم في اليمين بـ (حق الله)، وأن ابن الجنيد من متقدميهم خرَّج عليها الحقوق التي عظمها الله بمعنى أنك تحلف بصفة الله، ونزاعهم الشديد في ذلك، وظاهر كلامه هنا تحريم الحلف بغير الله، وهذا يتسق تمامًا مع عدم انعقاد اليمين به.
فالعوام الإمامية يرون جواز اليمين بغير الله ويرونها منعقدة، وفقهاؤهم القدامى لا يرونها جائزة ولا منعقدة.
وأما الفقهاء المعاصرون منهم فيقولون بالجواز ولا يرون انعقاد اليمين بذلك، وهذه مقالة متناقضة ظاهرة التناقض، وسبحان الله كيف أن البدعة تتسع في الناس.