قال ابن حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام :
قال ابن حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام :
" فإن قلت: المعتزلة ينكرون الصفات السبعة أو الثمانية ولم تكفروهم.
قلت: هم لا ينكرون أصلها وإنما ينكرون زيادتها على الذات حذراً من تعدد القدماء فيقولون: إنه تعالى عالم بذاته قادر بذاته وهكذا.
فالجواب عن شبهتهم المذكورة أن المحذور تعدد ذوات قدماء لا تعدد صفات قائمة بذات واحدة قديمة, وكذا يقال في اختلاف الأشاعرة في نحو البقاء والقدم والوجه واليدين.وبهذا إن تأملته تعلم الجواب عن قول العز بن عبد السلام، والعجب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه واليدين, وفي الأحوال كالعالمية والقادرية وفي تعدد الكلام واتحاده، ومع ذلك لم يكفر بعضهم بعضاً"
هنا العز بن عبد السلام وابن حجر الهيتمي يقرَّان أن الأشاعرة اختلفوا في إثبات صفتي اليد والوجه ولَم يكفر بعضهم بعضاً
وأقول : بل ولم يبدع بعضهم بعضاً ولم يتهم بعضهم بعضاً بالتجسيم وصفة العلو التي يدور حولها معظم الحوار بين متأخرى الأشاعرة وأهل السنة أظهر بكثير في النصوص من صفة الوجه واليد
وكبار الأشعرية معترفون أن عقيدتهم في أن الله داخل العالم ولا خارجه عقيدة عسيرة غاية على الفهم وعامة الناس لا يقبلونها
فإذا كانت العقيدة السلفية لها نظير من كلام متقدمي الأشاعرة الذين لم يكفَّروا ولم يبدَّعوا عند متأخريهم بل وُجد في كلامهم ما هو أقرب إلى معنى التجسيم من إثبات العلو والعقيدة الأشعرية عسيرة غاية على الفهم فلِم المجازفة بالدعوة لهذه العقيدة العسيرة وإسقاط الثقة بظواهر النصوص وكثرة التشغيب على الأخبار حتى أنهم كلفوا بتضعيف حديث الجارية الذي في صحيح مسلم في زمن الحملة على الصحاح وضعف أدائهم في الدفاع عنها وحتى أنك تجدهم يجتهدون في تضعيف بعض الآثار التي تدل على إثبات السلف للعلو بطريقة مثيرة للشفقة وَيَا ليت شعري ما تضعِّف وماذا تترك ويكأن النصوص لا تنضح بإثبات العلو ثم يدَّعون بعد ذلك أنهم دعاة وحدة
وهذا الاعتراف ليس فريداً من نوعه
قال الباقلاني الأشعري في كتابه تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ص212 : " بَاب فِي بَيَان آراء الْمُعْتَزلَة
وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي قدمْنَاهُ على الْمُعْتَزلَة لأَنهم جَمِيعًا يَزْعمُونَ أَنه لَا حَيَاة لله وَلَا علم وَلَا قدرَة وَلَا سمع وَلَا بصر وَزعم البغداديون مِنْهُم أَنه لَا إِرَادَة لَهُ تَعَالَى
وَجحد معمر شيخ من شيوخهم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ كَلَام
وَزعم أَن الْكَلَام الَّذِي سَمعه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَلَام للشجرة الَّتِي وجد بهَا لم يَأْمر قطّ وَلم ينْه عَن شَيْء وَلَا رغب فِي شَيْء وَلَا زجر عَنهُ وَلَا كلم أحدا وَلَا أخبر بِخَبَر بتة
وَزَعَمُوا جَمِيعًا أَنه لَا وَجه لله تَعَالَى مَعَ قَوْله عز وَجل {وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام} وَأَنه لَا يَد لَهُ مَعَ قَوْله عز وَجل {بل يَدَاهُ مبسوطتان} وَقَوله تَعَالَى {مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي}."
وقال ابن المنير الأشعري في حاشيته على الكشاف معترفاً بهذا التناقض بين متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم :
"إنما أطال القول هنا ليفر من معتقَدَين لأهل السنة تشتمل عليهما هذه الآية:
أحدهما: أن اليدين من صفات الذات أثبتهما السمع، هذا مذهب أبي الحسن والقاضي، بعد إبطالهما حمل اليدين على القدرة، فإن قدرة الله تعالى واحدة، واليدان مذكورتان بصيغة التثنية، وأبطلا حملهما على النعمة بأن نعم الله لا تحصى، فكيف تحصر بالتثنية. وغيرهما من أهل السنة كإمام الحرمين وغيره يجوز حملهما على القدرة والنعمة"
وكذا اعترف بهذا ابن عطية في محرره الوجيز :
" وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى عبِّر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالا لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحذاق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد".