كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

دفاعات تتضمن إدانة !

المصدر
دفاعات تتضمن إدانة ! كثير من الناس يظن أن الصوفية الموجودة الآن هي نسخة طبق الأصل عن التصوف الذي وجد قديما في أهل الإسلام والواقع أن الأمر ليس كذلك وأن الخلاف الْيَوْم ليس بين سلفية وصوفية أو بين سلفية وأشعرية بل بين صوفية أشعرية قديمة وصوفية أشعرية متأخرة ويوضح ذلك بجلاء الموقف من ابن عربي الطائي الذي يسميه المتأخرون ( الشيخ الأكبر ) ويحاولون إيهام الناس أن القول بأن ابن عربي كان يقول بوحدة الوجود ( يعني استواء الخالق والمخلوق ) هو تهمة من ابن تيمية وحده من تبعه من السلفيين قال العز بن عبد السلام: "هو شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً" (سير أعلام النبلاء 23/48) قال ابن حجر: وقد كنت سألت شيخنا سراج الدين البلقيني عن ابن عربي؟ فبادر بالجواب: هو كافر.اهـ. (لسان الميزان4/318) قال السبكي كما في (مغني المحتاج للشربيني 3/61): "ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره فهم ضلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام فضلا عن العلماء وقال ابن المقري في روضه إن الشك في كفر طائفة ابن عربي كفر" تأمل قول ابن المقري وشدته وكلامه هذا ضمن متن فقهي شافعي مشهور قال المفسر أبو حيان الأندلسي عند تفسيره لقول الله {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ}: "ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاهرا، وانتمى إلى الصوفية حلول الله في الصور الجميلة ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة: كالحلاج والشعوذي وابن أحلى وابن عربي المقيم في دمشق".اه وهذا غيض من فيض فالكلام فيه كثير جدا وقد أفردت فيه مصنفات من أوعبها كتاب دغش العجمي عن ابن عربي كما ترى الكلام فيه كثير وقد فهم من كلامه عشرات الفقهاء والمحدثين واللغويين والمؤرخين أنه قائل بوحدة الوجود ودافع عنه آخرون بدفاعات عجيبة من أهمها أن كلامه له باطن يخالف ظاهره ! وأنه يجب تأويل كلامه وأن هذه أحوال لكبار الأولياء تجعلهم يتكلمون بمثل هذا الكلام لأن أحوالهم لا يمكن شرحها بالألفاظ المعروفة عند الناس !! جاء في مقدمة موسوعة التصوف الإسلامي التي أصدرتها وزارة الأوقاف المصرية بإشراف حمدي زقزوق وزير في مقدمة شيخ الأزهر أحمد الطيب : " وأئمة التصوف أنفسهم يلفتون أنظارنا إلى أن هذه العلوم صادرة من مشكاة النبوة وهي خاصة بمن يرثها من الأولياء والملهمين وهم بكل حال مأمورون بكتمان ما يرثونه من علوم الأسرار التي لا يشار إليها إلا بلغة الرمز وقد اضطر الشيخ الاكبر ابن عربي لأن يتولى بنفسه شرح ديوانه ترجمان الأشواق " وفِي مقال آخر للدكتور فيصل عون في الموسوعة نفسها ص ١١٨ يقول : " على ضوء ذلك فإن الصوفي لا غنى له عن لغة الرموز والإشارة واصطناع أساليب التمثيل لكي يترجم عن أحواله ويعبر عن مواجيده وأذواقه مهما يكن في لغة الرمز من قصور عن التعبير لأن مواضيع تجاربه خارجة عن نطاق المواضيع الحسية والعقلية التي تعبر عنها اللغة الوضعية الاصطلاحية " وقال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب مدافعا عن ابن عربي ورادا على من كفره من فقهاء الشافعية : " ولا يقدح فيه وفي طائفته ظاهر كلامهم المذكور عند غير الصوفية لما قلناه ولأنه قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حاله الذي ترقى إليه، وليست في شيء منهما " أقول : هذه الدفاعات هي إدانة لابن عربي وليست دفاعات في الحقيقة ! فقول شيخ الأزهر احمد الطيب أنهم مأمورون بالكتم فابن عربي ما كتم بل أظهر حتى كفره مئات العلماء وأحدث فتناً كبيرة بين الناس كانوا في غنى عنها وأما كلام فيصل بن عون فيقال له القرآن والسنة وكلام الصحابة فيها كل خير واعظم الأحوال يعبر عنه باللغة الاصطلاحية فهل كلام الصوفية فوق ذلك ؟ ثم ما هذا العجز والعي بحيث أنهم لا يجدون من الرموز إلا ما يفهم من ظاهره الكفر ويتكرر ذلك في كلامهم بشكل هستيري ..! فَلَو كان نصا واحدا أو نصين في زحام من النصوص المناقضة لأمكن الاعتذار وليس الأمر كذلك وكذلك دفاع زكريا بأن العبارة تقصر فسبحان الله كيف يكون التعبير عن أعلى الاحوال التوحيدية بِمَا ظاهره الكفر والاتحاد وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر الناس فقال : بئس خطيب القوم أنت . في عبارة أهون من عبارات هؤلاء وقال في رجل : أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده وقال للصحابة : أصبح منكم كافر بالله مؤمن بالكوكب . وغيرها من العبارات وعدد من كبار الأشعرية كانوا يقولون لهم : لا يؤول إلا كلام المعصوم . فلا يؤول كلام ابن عربي وغيره والواقع أن كلام المعصوم ليس في ظاهره كفر ودائما السياق يكون موضحا فهو هدى ونور نعم هناك متشابه يرجع للمحكم ولكن هذا لا يسوغ دعوى أن في ظاهره ما ينافي التوحيد بل كله هدى ونور = = وقال ابن خلدون: "ومن هؤلاء المتصوفة: ابن عربي، وابن سبعين، وابن برّجان، وأتباعهم، ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها مشحونة من صريح الكفر، ومستهجن البدع، وتأويل الظواهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها، مما يستغرب الناظر فيها من نسبتها إلى الملّة أو عدّها في الشريعة وليس ثناء أحد على هؤلاء حجة ولو بلغ المثني عسى ما يبلغ من الفضل لأن الكتاب والسنة أبلغ فضلاً أو شهادة من كل أحد وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة وما يوجد من نسخها في أيدي الناس مثل الفصوص والفتوحات المكية لابن عربي.. فالحكم في هذه الكتب وأمثالها إذهاب أعيانها إذا وجدت بالتحريق بالنار" والواقع أن مثل هذه الاعتذارات تفتح الباب للزنادقة فيأتي أحدهم وينشر الكفر في الأئمة ويتكلم به ويجد من يعتذر له بأن لكلامه باطنا يخالف الظاهر وقد شرح ابن تيمية سبب اضطراب ابن عربي فقال في النبوات : " وابن عربي له أربع عقائد: الأولى: عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجردة عن حجة. والثانية: تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلامية. والثالثة: عقيدة الفلاسفة؛ ابن سينا وأمثاله الذين يفرقون بين الواجب والممكن. والرابعة: التحقيق الذي وصل إليه؛ وهو [أن] الوجود واحد وهؤلاء يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان العمل وهو: أن الفاضل له ثلاث عقائد: عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا؛ كالفقه مثلا. وعقيدة مع الطلبة يدرسها لهم؛ كالكلام. والثالثة: [سر] لا يطلع عليه أحد إلا الخواص" وهذا السر هو الذي أشار إليه شيخ الأزهر ولو كان هذا السر مطابقا للعقائد التي يعرفها المسلمون ما جعلوه سرا لا يعبر عنه بالألفاظ ويعبرون عنه برموز فهم منها كل فاهم البلاء المبين فهذا مسلك باطني واضح والله المستعان ( وخبر أبي هُريرة في كتمه بعض العلم محمول على أشراط الساعة وتسميته بعض الملوك وما يحدث لهم أو بعض أوصافهم وأما العقيدة والعبادة فهذا أمر لا ينبغي أن يخفى على مسلم نعم يتفاوتون في فهم الأمر ولكن كل من طلبه حصله وكل مسلم له درجة من ذلك ) وتأمل كلام ابن المقري لكي تعلم أنك لست بحاجة لمحمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - لتعلم سوء حال القوم ( وتأمل أنه يخص ابن عربي دون غيره من المذكورين بالتصوف من المتقدمين الذين صنفوا لظهور الأمر في كلامه دون غيره ) تظن أنك في أمان وأنت في حرب مع من لا قبل له ببعض جنوده. قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ( 278 ) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) سألتني احدى الأخوات عن حكمة ذكر الحرب من الله ورسوله في ذنب الربا دون غيره فقلت كلاما خلاصته : أن المرابي يشعر بالقوة والقهر والأمان فهو يأتيه الرجل المحتاج مالا فيستغل حاجته ويعطيه قرضا بفائدة فيكون قاهرا مستضعفا له فالمستدين على الربا هو مقهور في صورة المختار فيرضى بهذا الأمر الذي فيه حيف عليه لشدة حاجته والمقهور في صورة المختار هذا أشد صور الاستضعاف فناسب أن يوعظ في ترك الربا بالتذكير بضعفه هو وافتقاره إلى الله وأن هذا الضعيف الله معه ثم عبر ب( الحرب ) لأن المرء يغنم من الآخرين في أحوال أولها : حال القمار وهذا حال فيه مخاطرة بخلاف المرابي فلا مخاطرة عليه في الغالب بل هو سيأخذ ماله ويزيد عليه وإلا آذى الفقير ثانيها : حال الحرب والغنيمة وهذه حال أيضا فيها مخاطرة وهذا أبيح لأهل الإيمان مع حربهم مع الكفار إذ استباحوا منهم الدماء وذلك أعظم غير أن كل محارب ظالم داخل في الذم هنا ثالثها : حال السرقة وهذه أيضا فيها مخاطرة فالناس إن ظفروا بالسارق عاقبوه وإن لصا ظاهرا قاتلوه فالمرابي يحسب نفسه في أمان من مخاطرة هؤلاء فبدنه في سلامة والطرف المقابل ليس مكافئا له كما في القمار فتم تبديد هذا الوهم بأن يقال له : بل أنت في حرب مع من لا قبل لك ببعض جنوده الله عز وجل فأنت في خطر ولست أمام مكافيء فلست مختلفا عن المقامر أو اللص أو المحارب وإن توهت ذلك بحسب المحسوس فالأمر عند الله خلاف ذلك وذكر الرسول وهو قدوة أهل الإيمان لبيان أن أهل الإيمان ينبغي أن يسعوا في زوال ذلك من الأرض واليوم من أخطر الأمور على الناس تقديرهم للشر والأشر بحسب الضرر الحسي وما أكثر المقهورين بصورة المختارين في المجتمعات الرأسمالية لو تدبرت ذلك فتأمل عظم هذه الموعظة وعمقها وفِي كتاب الله عز وجل عجائب لا تنفد.