كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

"بل أعنفه أشد التعنيف"

المصدر
"بل أعنفه أشد التعنيف" قال ابن خلفون المتوفى عام 636 في كتاب المعلم بشيوخ البخاري ومسلم ص450: "وروى أيضًا العقيلي بإسناده عن أبي هاشم زياد بن أيوب الطوسي، قال: كنت عند علي بن الجعد فسألوه عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله ومن قال مخلوق لم أعنفه، قال أبو هاشم: وذكرت ذلك لأبي عبد الله أحمد بن حنبل فقال: ما بلغني عنه أشد من هذا. قال محمد: هذا الذي حكاه العقيلي عن علي بن الجعد شنيع، نسأل الله تعالى العافية والسلامة في الدين والدنيا". وقال أيضاً: "وأما قول علي بن الجعد ومن قال في القرآن أنه مخلوق لم أعنفه، بل والله أعنفه أشد التعنيف، يستتاب فإن تاب وإلا قتل". أقول: ابن خلفون عالم من علماء الحديث، وصفه الذهبي بالحفظ والاتقان، وقال في السير: "أخذ عنه جماعة، وكان أهلا لذلك. توفي: في ذي القعدة، سنة ست وثلاثين وسن مائة. وقال ابن الزبير: اعتنى بالرواية والنقل اعتناء تاما، وعكف على ذلك عمره، وكان حافظا للأسانيد عارفاً بالرجال". كتب كتاباً مشهوراً في شيوخ البخاري ومسلم، وبابه الكلام عن توثيق الرواة، فكتابه عن الجرح والتعديل وليس كتاب عقيدة، وفي حياته كان المعتزلة قد ضعفت أسبابهم وبقي القول بخلق القرآن بشكل فيه نوع التفاف في الفرق الكلامية الذين يظهرون الانتساب للسنة زوراً (وفي بقايا من الروافض والخوارج). تجد أنه وقف هنا وقفة يظهر فيها الحمية على اعتقاد أهل السنة، ويكرر الكلام في مسألة تكفير القائل بخلق القرآن، ويقر قول أحمد: "ما بلغني عنه أشد من هذا". علماً أن علي بن الجعد روي عنه الطعن في الصحابة، ولكنهم كانوا يعتبرون باب الصفات أقوى من باب فضل الصحابة، على أهمية البابين. وتأمل علي ما قال بخلق القرآن صراحةً ولكنه تسامح في المسألة، فاستشنعوا ذلك عليه جداً، فكيف يقولون إذن بمن ينكر الحرف والصوت أو ينكر العلو، فذلك حاله أشد. وما قالوا: علي بن الجعد خدم الإسلام برواياته فيسكت عنه، أو يحفظ قدره، أو ذلك لا ينقص قدره. بل الزلل في المعتقد ينزل القدر، وربما ما أبقى منه كبير إن كان زللاً عظيماً. ابن خلفون لو صنع صنيعه هذا في زماننا لرأوه مخالفاً للموضوعية، أو خروجاً عن موضوع البحث، ولنصحوه أن ينبه بطريقة أخف، وألا ينسب الكلام إلى نفسه فيظهر بصورة المتعصب. غير أنه نعم التعصب أن يتعصب المرء للسنة. وهذه مسألة إجماعية قطعية أن الله يتكلم بما شاء متى شاء عليها ظواهر النصوص، وقد اتفقوا على أن اليمين لا ينعقد بمخلوق، وورد عن الصحابة فمن بعدهم من أهل العلم انعقاد اليمين بالحلف بالقرآن أو بكلام الله، فعلم أنه غير مخلوق وأنه صفة الخالق. فعل ابن خلفون هذا مبرر لمن عرف حقيقة العلم، فالعقيدة هي أصل وما سواها فرع أمامها، فما فائدة إتقان الفرع مع فساد الأصل. لهذا حتى لو صنف المرء في غير العقيدة ثم وجد مجالاً لترسيخ عقيدة أهل السنة فإنه لا ينبغي أن يتأخر. وإن من الغلط أن تقيم علوم الإنسان وخدمته للأمة بعيداً عن النظر لعقيدته، وخدمته للعقيدة الصحيحة، فإنك إن تسامحت في العقيدة وزعمت غموض مباحثها وقد شنع السلف على المخالفين أشد التشنيع لم يسلم لك علم بعد ذلك، وكل العلوم ستضعف قيمتها، فما يظهر من بعض الناس على أنه تعظيم لأهل العلم هو في الحقيقة تزهيد في العلم.