آفات عصرية جنت على العلم
آفات عصرية جنت على العلم
من مشاكل هذا العصر ضعف الصدق مع النفس ومع الآخرين وقد جنا ذلك على العلم أيما جناية
وذلك أَن زماننا أهله اختصوا بأحوال نفسية أثرت على عقولهم دون بقية الأزمان لهذا ظهر فينا من الأحوال الشيء العجيب فكل من درس أحوال الناس في العلوم والسياسات والتجريبيات على مر التاريخ علم أَن زماننا يختص بكثرة التناقض في أهله وضعف طرد الأصول
فعلى سبيل المثال فكرة الفردوس الأرضي هذه الفكرة جنسها سائد بين العديد من طلبة العلم وإن اختلفوا في تصورها فمنهم من يتصورها في مجتمع فاضل مستقيم ومنهم من يتصورها في بيئة علمية أهلها متآخون متحابون على خلافياتهم في عموم الأبواب ومنهم من يتصورها في الانتقام من كل ظالم في هذه الأرض وإعطاء كل ذي حق حقه ومنهم من تتداخل عليه التصورات وعامة المعاني الموجودة في هذه التصورات معاني مطلوبة في الشرع بالجملة غير أَن سيادتها في الدنيا بالصورة التي في مخيلاتهم أمر صعب التحقق لأزمنة طويلة فالدنيا ما كانت جنة قط ولا يعني هذا عدم السعي بالإصلاح بالمستطاع وكل ذلك ليس هو الغاية العظمى أوو الواجب المحتم على المرء فالغاية العظمى توحيد الله وتحقيق عبوديته على كل حال ضعفًا كان أو قوة مع عدم الأسى على الهالك الذي هلك بإرادته ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) والمظلوم حقه مسترد عاجلا أم عاجلا فإن عجزنا في الدنيا عن رده ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار )
هذه الفردوسات الأرضية كل طالب علم من أولئك الحالمين بها وضع في عقله خطة لبلوغها أو تصور أمورا هي أدعى لحضورها فصارت كل مسألة علمية داخلة في هذه الخطة مسألة عظيمة وإن وجد كلامًا للسلف في تعظيمها أبرزه ولقنه لكل من يعرفه
والمسألة التي لا تدخل في هذه الخطة فأمرها هين وإن كانت عند السلف بمنزلة المسألة السابقة فإنه يوجد بينهما فرقا ويخفف في هذه لأن المخالف فيها لا يضر سيره إلى فردوسه الموهوم وربما رأى أَن إقامة الخلاف فيها يضره لأنه يحدث الفرقة بينه وببين من يكون موافقًا له في المسألة الأولى
وفجأة يصير السلف الذين كان كلامهم مسلما في المسألة نشر كلامهم في الثانية فتنة وإثارة قلاقل !
وتجد طالب العلم الصغير يلقن حلم الفردوس الأرضي على إحدى الطرق ويصير ولاؤه وبراؤه مرتبطا بها فيعادي القريب منهم عقائديا ويوالي البعيد عنه عقائديا على الموافقة في خطوات الفردوس الأرضي ويصير يعظم علوم الموافقين له في طريقته وإن كانت ليست بتلك العظمة ويصغر علوم المخالفين له في طريقته وإن كانت عظيمة ويحرم من خير كثير في نفرته من علماء خالفوا في بعض خطوات فردوسه الأرضي مع كون الكل اتفقوا على خطوات جنة الآخرة إجمالًا
وتظهر قلة الصدق مع النفس في تعظيم زلات المخالفين للمشروع مع التهوين من شأن مخالفات المخالفين في العقيدة
ويظهر ذلك أيضا في تزهيدهم ببعض الأبحاث بحجج ليست هي التي في صدورهم حقيقة فتجده مثلا يقول لك هذا البحث ليس في بلدنا فيه مخالفين أو العوام لا يفهمونه
علمًا أَن هذا البحث تجده مهما جدا في بلد آخر أنت على اتصال بهم وكتبت البحث على اسمهم وفي قضايا المسلمين السياسية يخاطبونك في مشاكلهم في المشرق والمغرب وفي الأمور العقائدية تطرح دعوة محلية
وبعض من تراه مهتمًا لأمر العامة فيما يزعم تراه أيضا يستهون مخاطبة العامة بكثير من ذنوبهم ويسميه خطابًا وعظيا على جهة الذم وهو إنما يعتقد الضرر على مشروعه الذي في رأسه من ذلك البحث أو يري. التفرغ لمشروعه ويغار على قلوب الناس من مشاريع أخرى وإن كانت عناوين شرعية عظيمة كما تغار الحسناء على زوجها
وعادة هؤلاء الحركيين أنهم لا يرضى عنهم أحد فتراه يبالغ في تألف المخالفين ليجمعهم في مشروعه وترى المخالف يستغله للترويج لعقيدته فذاك يمدح علماء المخالف ليستميل قلبه والمخالف يستفيد من ذلك للترويج لمذهبه ولا ينضوي معه تحت مشروعه ووالموافق العقائدي ينفر منه لما يرى من تهوينه من شأن المخالفين وهو أيضا لا يقصر يسب الموافق العقائدي ويقدمه قربانا للمخالفين وفي النهاية يصير كالمرأة التي طلقت من زوجها لتتزوج خليلها وإذا بهذا الخليل يهجرها أيضا فلا هي بقيت على زوجها ولا هي تزوجت خليلها وهكذا كل من توهم فردوسا أرضيًا بعيدا عن الاتباع عاش في جحيم أرضي
وسبيل السلامة من ذلك بأن يطلب المرء العلم بشكل شمولي فلا بد أَن ينتبه أَن ما يقتضيه العلم هو خلاف ما نشأ عليه في أحلام الفردوس الأرضي فإما أَن يسلم ويصحح وإما أَن يحرف العلم لصالح خيالاته وهنا الخسران المبين فذلك لا يزيد الناس إلا فرقة واضطرابا وبعدا عن تحصيل أي مقصود
ومنهم من يقرر التخلي عن مرجعيته العلمية التاريخية حتى لا يلزم بها ولكن لا يستطيع إلا أَن يتكلم في العلم بمنهجية معينة وإن ادعى الاستقلالية المطلقة لذا تحول بعضهم إلى شبه التنمية الذاتية أو الحقوقية المحضة
ومن قلة الصدق مع النفس أنك تجد المرء منهم يكره أبحاثا معينة لعلل حركية ثم تجده يقول : هذه صفحة طويت
وقد أجمع عقلاء بني آدم خلا الحركيين أَن زيدا إذا تكلم بكلام في عنوان ما ، كان لعمرو إذا كان يخالفه أَن يبرز ما عنده لا أَن نترك زيدا يقول ما يريد فإذا جاء عمرو وناقشه قلتم صفحة طويت ولا تفتحوا الموضوع هذه حيلة لا تنطلي حتى على الصبيان
وتجد العالم إذا وجدوا في كلامه ما يخدم المشروع ذكروه على هيئة التعظيم وعددوا فضائله حتى إنك لتتوهم أن كلامه حجة بذاتها وربما يكون في المسألة له مخالف من النظراء حتى إذا خالف كلامه مشروعهم قالوا : كل يؤخذ من قوله ويرد وربما عددوا لك زلات له معلومة
وفكرة الفردوس الأرضي أفسدت على الناس معايشهم حتى على الصعيد الاجتماعي فما يخرج في الروايات والمسلسلات فردوس أرضي بدرجة من الدرجات مرحلة فيها غنم خالص بغير غرم لما تشبع أبناء الجيل بهذه الفكرة ما أمكنهم تصور الحياة الزوجية بصورتها الواقعية إلا على تكره وانتهى كثير منها بالطلاق
ومن آفات العصر التفكير الحدي والقياس الفاسد وذلك من آفات تقديم العقل الأرسطي على النظر في كلام السلف
فالكثير من المشتغلين اليوم الباب دائما عندهم واحد إما عذر لجميع الناس وإما إدانة جميعهم ، إما تعظيم أعراض الناس وحقوقهم حتى تقدم على الدين عند التعارض وإما إهدار لها على كل حال ، إما تعظيم للعلماء إلى حد التقديس وإما استهانة بمقامهم وجرأة على تغليطهم بالظنون وأنصاف بل أرباع الأبحاث الجاهزة
ويتضايق الناس من تفريقات العلماء الدقيقة ويحبون تلك القوالب الجاهزة حتى أنني وجدت من يستشكل التفريق بين الضعيف والضعيف جدا في التعامل والإيراد ويستعمل التفريق بين المدلس والكذاب وغيرها من الإشكالات التي فرضتها العقول القولبية ثم هم لدواعي حركية يفرقون بين المتماثلات أو يأتون للنادر الشاذ ويجعلونه أصلا يهدمون به الأصل الحق
حتى أنني قلت لبعض الأخوة لو عاش بعض الناس في زمن كفار قريش لاعترضوا على بعض آيات ذم المشركين وذكر إفسادهم في الأرض بقولهم : ماذا عن أبي طالب ؟ ماذا عن المطعم بن عدي ( الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم ) ؟ ماذا عن ابن الدغنة الذي أجار الصديق ؟
عقول عجيبة وهذا المنطق العجيب هو منطقهم في الذب عن المتكلمين ونظرائهم ولو تأملوه لعلموا أنه يخالف بداهة العقول القاضية بعدم اعتبار النادر أمام أصل طاغ
والكل يعرف أن زماننا زمان طغت فيه مركزية الإنسان حتى صار الناس يتكلمون في مصير الملاحدة في الآخرة وهل ينجون أم لا ومعلوم أن الإنحراف إذا ظهرت صورته الغالية الشديدة فمن غير المستبعد أن تظهر له صور مخففة في المنسوبين للعلم وهذا ينطبق على الغلو أيضاً غير أن الجفاء هو السائد في الناس في حقوق الله اليوم ثم تجد المتخصص يصب كل حربه على ما يراه غلواً ويترك الناس يتخبطون بالجفاء ثم بعد ذلك يحدثك عما ينبغي أن تخاطب به العامة والله المستعان
والصدق مع النفس يكون بالاتباع وعدم تقديم الرأي على النصوص أو جعل الرأي مظلة ما كان تحتها من النصوص برز وما خالفها كتم وإن كان بابها واحدًا عند السلف الكرام نعم قد يعنى بباب معين لغفلة أهل العصر عنه ولكن لا يكتم غيره مما يساهم في ضبطه والمشروع الإصلاحي يحكم بالشرع ولا يحكم الشرع ودين الله أشمل من أمانينا
والمرء إن جرد التسليم وطوى كشحا عن هذه السفسطات فهو مع أهل هذا الزمان في شقاء يرمونه عن قوس واحدة إلا قلة منصفة ويلحقون به كل نقيصة وما به إلا أنه جعل الوحيين أمامه لا خلفه.