=
=
قال ابن قدامة في المغني: "(5142) فصل: ولا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين. وهذا قول النخعي، والأوزاعي، والشافعي. وعن أحمد، أنه قال: إذا تزوج بشهادة نسوة، لم يجز، فإن كان معهن رجل، فهو أهون. فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك. وهو قول أصحاب الرأي. ويروى عن الشعبي؛ لأنه عقد معاوضة، فانعقد بشهادتهن مع الرجال، كالبيع. ولنا، أن الزهري قال: مضت السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق. رواه أبو عبيد، في "الأموال".
وهذا ينصرف إلى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولأنه عقد ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويحضره الرجال في غالب الأحوال، فلم يثبت بشهادتهن كالحدود، وبهذا فارق البيع. ويحتمل أن أحمد إنما قال: هو أهون. لوقوع الخلاف فيه، فلا يكون رواية".
لاحظ أنهم حتى لم يجعلوها رجلًا وامرأتين ليأخذوا بقول مروي عن بعض السلف، وإنما أظهروا المعاكسة تمامًا وقالوا بامرأتين فقط.
علمًا أن عقد النكاح عقد شرعي فينبغي أن يُسار فيه على ما قرَّر علماء الشرع، وعدم استواء الرجل والمرأة في باب الشهادات نص قرآني لا يمكن دفعه.
غير أن هذه الصورة العبثية تجسِّد نوعًا من التدين يريده كثير من الناس، وهو التدين المصلحي (نأخذ من الدين ما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا) أو بصورة أدق (نأخذ منه ما يعجب الغربيين ونترك ما يزعجهم).
تجد هؤلاء كلما أصابتهم الخيبة من أنهم مع كل تنازلاتهم لم يحققوا ما يسمونه تقدمًا، ومع كل ما فعلوه لم يستطيعوا أن يزيلوا الفوارق بين الجنسين بالكلية (تلك الأسطورة المستحيلة التي آمنوا بإمكانها)، ولا يستطيعون إيقاف الانهيار الأخلاقي والديمغرافي الذي يقع بسبب منظوماتهم..
تجدهم يسلُّون أنفسهم بتحقيق هذه الانتصارات الوهمية، ومحاولة مناكفة الموروث فيما يزعمون.
واختاروا أن تكون الشاهدة الأم حتى يستغلوا معنًى (موروثًا) وهو تقدير الأم الوارد في النصوص، وحتى يظهر رفضك لهذا الأمر وكأنه من باب العقوق، وهذا أسلوب تافه متكرر عند القوم، وهو استخدام مفهوم شرعي وهو البر والعقوق لنقض ثوابت شرعية. والحق أن العقوق كل العقوق بتمكين الأمهات من المعاصي ومخالفة الشرع.
والأمهات اللواتي يمنِّين أنفسهن بمجتمع يحفظ لهن حقوقهن الشرعية (والتي لا يقنَعن بها حتى يُدخِلن عليها غيرها بفهم خاص لأمر البر والعقوق) وفي الوقت نفسه يُسمح لهن بتجاوز الشرع واتباع خطوات الغرب هن واهمات، إذ الجمع بين المتناقضات لا يطول عمره، ولا بد من فوز أحد النقيضين، بل الحال الذي أصاب عامة النسوة في الدول العالمانية أن الحقوق الشرعية ذهبت، وكثير من دعوات المساواة كانت أوهامًا خادعة لنيل شيء في نفوس المنظرين.