كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

دين لا يمكن علمنته

المصدر
دين لا يمكن علمنته "دين لا يمكن علمنته" هذه كلمة قالها جوردان باترسون عن الإسلام وهو يتحدث عن عيوبه، ولكنه في الواقع كشف عيب الدعاية العالمانية. فظهر أن العالمانية خصم، وليست حكمًا محايدًا، بمعنى أن لها قِيمًا خاصة تتعارض مع بعض الأديان، إذن هي ليست النظام الذي يضمن للكل التساوي بشكل غير مشروط، بل في الواقع يُطلَب منك (علمنة دينك). علمنة الدين تعني تحريفه عن صورته الأصلية لأجل النظام العالماني، النظام العالماني نظام مبني على مقاصد تختلف عن مقاصد الشريعة لأن العقيدة التي يُبنى عليها هذا النظام مناقضة للدين، فالعالمانية مبنية على أن هذه الأرض التي نعيش فيها هي أرض الثواب والعقاب، وأن الآخرة أمرها ثانوي أو باطل، وأنه لا يوجد دين صحيح. وكثير من العالمانيات مبنية على فكرة طوباوية، وهي إمكانية وجود فردوس أرضي (يجلب كل الخيرات ويدفع كل الشرور) أو على الأقل نظام مثالي يُحقِّق مقاصدهم بحيث يَجلِب كل خير ممكن ويدفع كل شر ممكن. وهذا كله غير مقبول إسلاميًّا، وهذا سبب ضيق كثير الغربيين من الإسلام. جاء في كتاب "آفاق العصر الأمريكي" لجمال السويدي: "وبرغم انتشار مقولات صدام الحضارات أو صراعها، فإن بعض المتخصصين يجادل في أسس هذا التوجه الفكري ويطرحون النقيض له، حيث انتُقدت فرضية هنتنجتون على نطاق واسع لاستنتاجاتها المتشائمة، وعلى الرغم من أن هنتنجتون حدَّد قائمة من حضارات عدَّة غير غربية يمكن أن تدخل في نزاع مع الغرب، فإنه رجح الإسلام كأكثر التهديدات خطورة. متجاهلًا كلًّا من التنوع والتعددية ومختلف متغيرات الإسلام والعالم الإسلامي، وكذلك متغيرات الأصولية الإسلامية، بحيث يقدم هذه الأصوليةَ مثالًا للكيفية التي يتصور بها من يروجون للعولمة ثقافة الشرق الأوسط والثقافة الإسلامية، وهي طريقة تجعل من السهل تصوير الشرق الأوسط عائقًا خطيرًا لا يتغير أمام العولمة". أقول: تأمَّل اعتبار هنتنجتون الإسلام التحدي الأكثر خطورة للحضارة الغربية، وذلك أنه نموذجٌ مقابلٌ انصهارُه في النموذج الغربي عسير، وهذا ما عناه باترسون في كلمته والتي تلتقي مع فكرة هنتنجتون، والكاتب لم يفهم بعد الفكرة فاعترض عليها مع أنه قرَّر لاحقًا أن المشكلة مع الأصولية الإسلامية حقًّا! التشدد الإسلامي أو الأصولية الإسلامية عند هؤلاء هو كل ما يخالف الثقافة الغربية، ولكنهم إعلاميًّا ينتقون نماذج يمكنهم التشنيع من خلالها، لهذا ذلك المقطع الذي يتكلم فيه ذاك الوزير عن اللحم الحلال أو المقطع الذي تكلَّمَت فيه تلك المرأة عن مبالغة المسلمين بالاحتشام في الحمامات على جهة النقد، هذا هو الاتساق المنهجي عندهم، فهم يفترضون أن حضارتهم حقٌّ مطلق وكل ما سواها باطل أو غير حضاري، وبالتالي لا يمكن حصر مظاهر نقد المسلمين ببعض الأمور الموجودة فيما يسمونه جماعات متطرفة، كما هو الخطاب الإعلامي الذي يوجَّه للجماهير، وإلا فالواقع أعمق من ذلك. وجاء أيضًا في كتاب "آفاق العصر الأمريكي": "وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 1991 أصدر المؤرخ الفرنسي المعروف جان-كريستوف روفال Jean-Chrictophe كتابًا تحت عنوان "الإمبراطورية والبرابرة الجدد"، اعتبر فيه أن الإمبراطورية هي حضارة الشمال أو الغرب، وأن البرابرة هم شعوب الجنوب أو الدول النامية التي يتزايد عدد سكانها بوتيرة تخيف دول الشمال. وكان أشد ما يرعبه هو خطر التفجر السكاني الذي يحدث في دول الجنوب. ويقول روفان صراحة: "إن ما ندافع عنه في الحقيقة هو مستوى معيشتنا". والجنوب الذي قصده روفان ضمَّ دولًا إسلامية مثل دول المغرب العربي وتركيا وإيران. ومن مصادر التوتر الجديدة بين الإسلام والغرب، وجود أقليات إسلامية كبيرة في العالم الغربي، وهي أقليات يتزايد عدد أفرادها في الوقت الذي تتراجع فيه أعداد الشعوب الغربية بسبب الإحجام عن الإنجاب". انتهى النقل. أقول: تأمَّل الفقرة الأخيرة، دول الغرب احتاجت إلى وجود المسلمين فيها بسبب توقفهم عن الإنجاب (أي أنهم ينجبون بشكل قليل، فيكون المجتمع وكأنه لا يتكاثر، عدده ثابت أو يقل). فجلْبُ المسلمين لمصلحة حضارتهم ونظامهم، ولكن المسلمين لهم ثقافة خاصة خطيرة، فهم نافعون للحضارة الغربية من وجه ويشكِّلون خطورة من وجه آخر، لذا يختار الغربيون نموذج المسلم المدجَّن، أي الذي يقبل بتحريف دينه أو حتى يكفر به، فنحافظ على وجه النفع فيه دون وجه الضرر، ولا ينبغي أن ننتظر حتى يأتوا إلى بلداننا، بل نغذِّي دعاة التدجين وهم في بلادهم باسم حقوق الإنسان ونضرب عدة عصافير بحجر واحد، بحيث يأتينا وهو مُدجَّن من بلاده. والسؤال هنا: لماذا يعتد الغربي بحضارته ويعمل لأجل بقائها جاهدًا مع أنها نتاج بشري مليء بالعيوب، ويخجل كثير من المسلمين من وحي السماء؟