=
=
وهناك طرف آخر تقمَّص الصورة النمطية حقاً وصدَّق أنها من الدين! وصار يتحرى موافقتها ليُظهر قوة تدينه، والواقع أنها تهويل، وأنك لا ينبغي أن تحفل بموافقتها من كل وجه أو مخالفتها من كل وجه.
والعجيب أن هؤلاء الذين انطلت عليهم هذه الحيلة الليبرالية البائسة وأثَّرت عليهم حتى في أخص معارفهم يحسبون أنهم سيصلحون الدنيا، والله المستعان!
بل هم يحاكون حيل القوم بطريقة احترافية، فعلى سبيل المثال هناك حيلة عند الفساق أنك إن أنكرت عليه منكراً اتهمك بأنك تكفره! فتنتقل مباشرة إلى الدفاع عن نفسك، وأنك لا تكفره بالذنوب وغير ذلك. وربما يتكلم بعضهم بالكفر من سب الله أو الاستهزاء بالدين فإن قلت له: هذا كفر، يقول لك: يعني تكفرني يعني أنت تكفيري! (وكأنه معصوم من الكفر).
والواقعون في فخ الصورة النمطية يمارسون أسلوباً مقارباً، فتجده حين تشرح له أن فلاناً من الناس تكلم فيه أئمة الجرح والتعديل في عامتهم، وأنه نُقلت اتفاقات على جرحه، وأنه لا مجال لإنكار ثبوت بعض الضلالات عليه لأنه رواها ثقات الحديث، وأنه لا يصلح أن نمارس منهجاً انتقائياً بحيث نقبل الروايات الواهية في مدحه ونترك الصحيحة، وتخوض معه في بحث طويل ومتشعب له متعلقات عقدية وفقهية وحديثية وتاريخية ومصلحية؛
يترك كل هذا ويخترع عنك إشاعة يختزل فيها كل البحث: فلان يكفر فلاناً! ومع كونه اخترع هذا من عنده، فهو أصلاً ينكر ما هو دون ذلك هو ينكر التبديع الثابت عن عموم الأئمة أو كثير منهم، ويضلل ويبدع من يأخذ بكلامهم أصلاً، فهو له نصيب من النهش في أعراض الناس وتفريق المسلمين الذي يتحدث عنه، والطرف الذي أمامه كل همه أن يتسق منهجه العلمي، فيقبل من الأئمة تصحيحهم وتضعيفهم وتعديلهم وتجريحهم، بحيث تكون عامة أحكامه مندرجة تحت سياق واحد ليس فيها تناقض ظاهر.
وهو بهذه الإشاعة يهرب من كل البحث ليجعل الطرف الذي أمامه فقط يتحدث بنفي أنه قال كذا وكذا، وأن هذا القول مبني على البحث الفلاني، وأن نتيجته فيه كذا وكذا، ونخرج عن البحث الأصلي كما يُخرجك الفاسق من الإنكار على فسقه إلى الحديث عن عدم تكفير العصاة، أو من إنكار الكفر الذي أمامك إلى النقاش في ضوابط التكفير!
وتجدهم يقلدون صانعي الصورة النمطية حتى بإيراداتهم الباردة، كقول بعضهم مثلاً: ما الفائدة من البحث الفلاني؟ ويقصد بالفائدة فائدة حسية يقر بها الكافر قبل المسلم، وكأنه لا توجد حسنات.
فتجدهم يقولون: ما الفائدة من ذكر كلام السلف في شخص له أتباع يتعصبون له؟
وهذا سؤال غريب، إذ أنه إن كان نقد السلف له بحق فهؤلاء الناس يتبعونه على باطل، وهنا يجب هدايتهم استفادة من محبتهم للسلف، وإن كان هؤلاء الأتباع تركوا الباطل الذي كان عليه هذا الشخص، فإذن نبين لهم أن غيره أولى بالإتباع، وأنهم لا يتبعونه على الحقيقة، وهذا أفضل لهم، وأقرب لإصابة الحق في المسائل، وإذا قالوا لنا: لِمَ تنكرون علينا ولنا إمام سلف، فنقول: ننكر عليكم كما أنكر أوائلنا عليه.
وإن كان هؤلاء الأتباع قد زادوا عليه في الضلالة فنحن معهم على فرقة، سواءً مدحنا متبوعهم أو ذممناه، الأمر تحصيل حاصل، وإن كان كلام السلف باطلاً فهذا اتهام خطير لهم، ولا بد من إقامة أدلة عليه، ويحق لمن يرى كلامهم حقاً أن يدافع عنه، وعليه فالفائدة ظاهرة من البحث!