كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التنبيه على خطأ علمي شائع في توصيف مذاهب العلماء في التكفير

المصدر
التنبيه على خطأ علمي شائع في توصيف مذاهب العلماء في التكفير هذا تنبيه لطلبة العلم متعلق بخطأ شائع أحدث خلطًا وفتنًا وقلاقلَ كثيرة في توصيف مذاهب العلماء في التكفير. حين يكفر عالم فرقة كلهم عالمهم وجاهلهم يقال: "فلان يكفر الفرقة الفلانية" وهذا محل اتفاق بين الناس اليوم. وحين لا يكفر عالم فرقة كلهم عالمهم وجاهلهم وإنما يبدعهم يقال: "فلان لا يكفر الفرقة الفلانية" وهذا لا نزاع فيه. وإنما البحث في توصيف موقف العالم الذي يكفر قول الفرقة، ثم هو لا يكفر كل أعيانهم، وإنما يشترط قيام الحجة لتكفير المعين منهم. جرت عادة الناس في زماننا على توصيف موقف هذا العالم بأنه "لا يكفر"، والذي أزعمه أن عامة الناس قبل زماننا يجعلون هذا العالم ضمن "المكفرين"، لأنه يرى القول كفرًا، وقيام الحجة ليس أمرًا مستحيلًا ويمكن أن يتحقق في الخارج، ولهذا فهو يلتقي مع المكفر في أصل المعنى، وإن كان ينازعه في طرد الحكم في كل الأفراد. ووصف هذا الضرب من العلماء بأنه "لا يكفر" أخرج جفاةً يستغلون كلامهم للاستدلال لعدم التكفير بالكلية، بل والتشنيع على المكفر. وأخرج غلاةً يأخذون موقفًا سلبيًّا جدًّا من هؤلاء العلماء، وينسبونهم للمخالفة الصريحة للمتقدمين الذين كفَّروا. ولكي تتضح عندك المسألة بشكل أكبر، تأمَّل هذه النقول الثلاثة: قال ابن القيم في النونية: لكنما متأخروهم بعد ذَا ... لِك وافقوا جهما على الكفران فهم بذا جهمية أهل اعتزال ... ثوبهم أضحى لَهُ علمَان وَلَقَد تقلد كفرهم خَمْسُونَ فِي ... عشر من الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ واللالكائي الإمام حَكَاهُ عَنـ ... هُم بل حَكَاهُ قبله الطَّبَرَانِيّ أقول: ابن القيم هنا يحكي عن ٥٠٠ عالم تكفير الجهمية، وهنا سؤال ملحّ: هل يقصد أنهم كفروا جميع أعيانهم وفقًا للعرف المعاصر (أو الخطأ المشهور) أنه لا يقال "فلان يكفر" إلا إذا كفرهم كلهم؟ إن قالوا: نعم، فقد نقضوا الكلام المشهور عندهم أن السلف عذروا بعض جهال الجهمية، وأعطوا ذريعة لخصمهم أن له سلفًا ٥٠٠ عالم، وذلك أن عامة المكفرين إنما كفَّروا بعلة القول بخلق القرآن وإنكار العلو وهذا من المشتركات بين عامة الفرق الكلامية، ولولا ذلك ما تكلَّف ابن القيم إيراد هذا الكلام محتجًّا به على المتكلمين في عصره. وإن قالوا: لا، وإنما يريد ابن القيم التكفير المطلق وإن لم يكفِّروا كل أعيانهم، وإنما يكفرون من قامت عليه الحجة. فيقال: وهنا أيضًا نقضتم عرفكم المشهور في أن العالم لا يقال عنه "يكفر الفرقة الفلانية" إلا إذا كفَّر كل أعيانهم، وتكونون بذلك أنتم أيضًا مكفِّرين لعامة الفرق الكلامية وفقًا لهذا المصطلح المعروف بين العلماء، بل والذي عليه اتفاقهم قبل زماننا هذا. =