باب ما جاء في الاعتزاز بلغة القرآن..
باب ما جاء في الاعتزاز بلغة القرآن..
ذكر السمعاني في كتاب الأنساب محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى أبو بكر الماسرجسي، النَّيْسابُوري شيخ الحاكم، وكان مما ذكره:
"وذكره الحاكم فقال: عقدت له مجلس الإملاء في دار السنة في رجب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وتوفى عشية الأربعاء، ودفن عشية الخميس السادس من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وهو ابن ست وسبعين سنة وأبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى بن ماسرجس الماسرجسي، أحد وجوه خراسان وأحسنهم بيانا وأفصحهم لسانا، ولقد صحبته في السفر والحضر فما رأيته يكلم بالفارسية إلا من يعلم أنه أعجمى لا يحسن العربية- هكذا ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، ثم قال: وكنت معه ببغداد والحرمين سنة إحدى وأربعين، فتحير أهل تلك الديار من فصاحته وحسن بيانه، حتى أن المشايخ البغداديين يقولون إلى شيخ خراسان كأنه لم يتكلم بالفارسية قط، سمع الحسين بن الفضل".
تأمل قول الحاكم عن شيخه الماسرجسي: (فما رأيته يكلم بالفارسية إلا من يعلم أنه أعجمي لا يحسن العربية).
خراسان في ذلك الزمان (القرن الرابع الهجري) كان أهلها يتكلمون الفارسية والعربية، ويبدو أن عامة أهلها يحسنون الفارسية، وكثير منهم يحسنون العربية.
فكان شيخ الحاكم هذا إذا علم من شخص أنه يحسن العربية لا يكلمه بالفارسية أبداً، مع أن هذا الشيخ للحاكم أصله فارسي، وهذا من عظيم فقهه وتعظيمه للغة القرآن.
تأمل هذا وقارنه مع أحوال الناس اليوم، تجدهم يتخاطبون بالألفاظ الأجنبية ويدخلونها في الكلام مع أنهم يخاطبون عرباً مثلهم، وهذا لا شك من آثار الهزيمة النفسية.
وقد تطور الأمر إلى درجة أن كثيرين صاروا يتطلبون علاج الانحرافات الفكرية بالنظريات الغربية، وكثيرون ينحرفون ويتشككون في الدين حتى إذا جئتهم بكلام غربي يخالف ما يقولون تخف حدتهم جداً في معارضة الحق.
وهذا كله ناشيء عن تعظيم الدنيا ثم الظن أن هؤلاء القوم قد حازوها كأحسن ما يكون (وليس كذلك) ثم الغفلة عن معنى كونك مسلماً، فالإسلام ليس ثقافة موروثة بل هو دين الله الحق الذي يجب على كل مكلف وبه النجاة في الآخرة لا بغيره، وبالتالي يعتز به المرء وبكل ما يتصل به.