شرح ابن حزم حصول اليقين برواية اثنين فقال في الأحكام :" ولكنا نقول إذا جاء اثنان
شرح ابن حزم حصول اليقين برواية اثنين فقال في الأحكام :" ولكنا نقول إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك، وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا، ولا دسسا، ولا كانت لهما رغبة فيما أخبر به، ولا رهبة منه، ولم يعلم أحدهما بالآخر، فحدث كل واحد منهما مفترقا عن صاحبه بحديث طويل لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله، وذكر كل واحد منهما مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت، فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه ويقطع على غيبه.
وهذا الذي قلنا يعلمه حسا من تدبره ورعاه فيما يرده كل يوم من أخبار زمانه من موت أو ولادة أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة وغير ذلك، وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي عليه لقلة مراعاته يمر به، ولو أنك تكلف إنسانا واحدا اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه، يعلم ذلك بضرورة المشاهدة، فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان، وكلفت كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا فيه من أوله إلى آخره.
هذا ما لا سبيل إليه بوجه من الوجوه أصلا، وقد يقع في الندرة التي لم نكد نشاهدها اتفاق الخواطر على الكلمات اليسيرة، والكلمتين نحو ذلك.
والذي شاهدنا اتفاق شاعرين في نصف بيت، شاهدنا ذلك مرتين من عمرنا فقط" أقول : ولو وزنا عموم الأخبار الثابتة عندنا بهذا الميزان خصوصاً في باب الأحكام لتحصل لنا يقين عظيم بثبوتها فكيف إذا نظرنا في الشروط الشديدة التي وضعها المحدثون وكيف إذا نظرنا إلى قرينة عمل الناس بالخبر في عامة الطبقات وإفتائهم وكيف إذا نظرنا إلى قرينة الصلاح والتدين في عامة المحدثين وكيف إذا نظرنا إلى قرينة معارضة الكثير من الأخبار لأهواء الولاة وأهواء وكيف إذا نظرنا إلى غيرها من القرائن التي يصعب حصرها فكيف والحال هذه تسوى أخبار احتف بهذا كله بأخبار الكذابين أو بما لا أصل له أصلاً