=
=
وقد كفر الحجاج كثيرون وأما ابن سيرين فلم يكفره وطاووس سمى من لم يكفره إخواننا.
قال عبد الرزاق في أماليه 14 - أنا نعمان بن أبي شيبة، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: «عجبا لإخواننا من أهل العراق يزعمون أن الحجاج بن يوسف مؤمن».
وله آثار أخرى أقوى لفظاً، وهذا يبين لك أن بعض المكفرين لا يكون مكفرهم عند من لا يكفرهم خارجياً ولا يكون غير مكفرهم عند مكفرهم جهمياً غير كافر بالطاغوت، كما هو الدأب اليوم في كل مسألة يختلف فيها الناس بفعل العواطف الحركية مع الضعف العلمي.
ووجه نزاعهم فيه أن من كفره رآه خالف أمرا قطعيا بتأويل بعيد بل ربما هو معاند ، ومن لم يكفره ربما رأى اشتراط قيام الحجة عليه ولم تقم وهذا بعيد عندي أو رأى قياسه على الخوارج الذين استحلوا الدم الحرام بتأويلات باطلة وهذا مدفوع عند من يكفره بأن ما أنكره أظهر مما خالفت به الخوارج بكثير فكان حاله أشبه بمنكري الزكاة.
وإنني لأعجب ممن لا يقبل تكفير السلف للجهمية الذي أطبقوا عليه وكان أحمد ابن حنبل يقول فيهم أنهم لا يقارنون بالحجاج ثم هو يستدل بمثال الحجاج لتقبل أحكامه .
مثال الحجاج مثال جيد، وقد رأيت في كلام بعض من لا يعذر بالجهل من هؤلاء أنه يأتي بأسماء أناس من عتاة الجهمية كفرهم السلف ثم يعلق عليهم بقوله (أنهم جهلة متأولون)!
وهذا يبين لك حقيقة بحث الفريقين في مسألة العذر بالجهل والعذر بالتأويل فهذا عند من يعذر ومن لا يعذر وصف لا يزول أبداً ولا يوجد حتى قرائن تدل على زواله ولا فرق بين تأويل قريب وتأويل بعيد ومسألة ظاهرة وأخرى خفية.
لهذا حتى رؤوس الجهمية داخلون عندهم في حيز (المتأول الجاهل) مع أنه يجوز أن تكون قد قامت عليه الحجة فلم يعد متأولاً ولا جاهلاً وكل العلماء الذين كانوا يتكلمون بأمر قيام الحجة يتصورون وقوعها.
والقرآن دال على أن الناس يتفاوتون في قيام الحجة عليهم قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.
وأنا لا أعذر في المسائل الظاهرة وأعذر في الخفية ولكن يجوز عندي في الخفية قيام الحجة والذي لاحظته في نقاشات الطرفين أن كثيراً منهم وصل لقناعة أن اشتراط قيام الحجة يعني إلغاء الحكم بالكلية وهذا خلاف آثار السلف بشكل ظاهر
بل هو خلاف البداهة فالكل يعقل وجود مسائل خفية على بعض الناس تظهر لهم ببعض المعطيات وأن هذا يمكن إدراكه بالقرائن والأدلة، ولهذا وصل بعضهم إلى دعوى إنكار حكم أهل الفترة لأنه ينغص عليه أصله في اعتبار كل الخلق جهلة ومتأولين فإذا اشترطنا لزوال جهلهم قيام حجة ما كفر أحد ولا استحق النار أحد وهذا جفاء يؤدي إلى غلو.