=
=
غير أن الذهبي نبَّه على ثلاثة معانٍ يتم بها تصوُّر رأيه:
الأول: أن خصوم الشيخ يحسدونه فاجتمع فيهم الحسد والخصومة لتميُّز الشيخ عليهم علميًّا مع مخالفته لعقيدتهم، وقد يكون فيهم من يميل إليه باطنًا ولكنه لحب رياسة أو مال أو جاه يُظهِر الخلاف ويحسد الشيخ على إظهاره للحق بلا مبالاة، وهذا من عجيب أحوال بني آدم غير أنه حاضر فيهم ويُكشف بفلتات اللسان وما يُسِرُّ به بعضهم إلى بعض.
وإذا اجتمع في الشخص خصومة المعتقد والحسد فكيف تُرضيه المداراة؟ غالبًا هذا لا يكون، وقد ينفع مع بعضهم، وكان الشيخ يصنعه بل يُكثِر من ذلك.
غير أن هناك فرقًا بين التعامل الشخصي مع إنسان حاسد والتصوير العلمي لقضية أكبر من شخصي وشخصه، بل أنا أكتب كلامًا يقرؤه كل شخص، الموافق والمخالف الجاهل والعالم، وكثير من الناس يخلط بين المقامين.
فالشيخ ما كان يحكي خصومة شخصية بينه وبين خصومه في عصره حين كتب ما كتب، بل كان يتكلم على خلاف كفر وإسلام بين أهل الحديث وأهل الكلام.
وقد ذكر الذهبي نفسه أن مِن خصوم الشيخ من لم يقرأ للشيخ وإنما خاصمه دون معرفة.
الثاني: أن الشيخ مجتهد في ذلك وغضبه لله ورسوله، وهذا كلام حسن، فاليوم مفهوم (الغضب لله ورسوله) يكاد يكون غائبًا في أدبيات الكثير من طلبة العلم بفعل (الأكاديمية) القادمة من الغرب.
وصار كل من يُظهر شيئًا من ذلك يُذَم ويُتَّهم في عقله ولا يُعذر، بينما يُعذر المرء في ضلالته في أسماء الله وصفاته والإيمان والقدر.
وحين أتكلم عن غياب الغضب لله فأنا لا أتحدث عن تكلُّف أن تكتب بأسلوب غاضب فهذا ليس لازمًا، وإنما الاعتذار لمن صدرت منه الشدة بأنه غاضب لله ورسوله خصوصًا إذا كان كلامه لا يخلو من حجج وبيان لا أنه شتائم مجردة.
الثالث: أن كلام الشيخ مع ما فيه من الشدة انتفع به الناس، والحق أن الذهبي من أوائل المنتفعين هو وأصحابه البرزالي والمزي وابن كثير وغيرهم كثير جدًّا، وانتفع بكتب الشيخ خلق لا يحصيهم إلا الله تبارك وتعالى، وأكثر من خدم كتب الذهبي القوم المعظِّمون للشيخ لداعي العلاقة بين الذهبي وابن تيمية، والذهبي له إنجاز علمي ظاهر غير أنه لولا علاقته بالشيخ ما خُدِمت مؤلفاته هذه الخدمة، خصوصًا المؤلفات العقدية مثل العلو والعرش وإثبات اليد والأربعين في صفات رب العالمين.
ولا شك أن تلك المحاضر التي كانت تقام لشيخ الإسلام مع سجنه مرات مع لوم بعض المقربين له على أسلوبه أثَّرت بعض التأثير في انتقائه لعباراته، ولكنه ما كان يستطيع مع كل ما عنده من بيان أن يغادر ألفاظًا شديدة على الخصوم، لأن البحث لا يحتمل التساهل، وكان يُكثِر من النقل عن السلف وألفاظهم إلى الشدة ما هي.
وكان الشيخ يرى أن الباطل الذي استقر في نفوس كثيرين ووقع فيه أكابر وقلدهم عليه خلق، هذا الباطل المستقر لا ينقلع إلا بشيء من الشدة المنبهة، وكان يردِّد عبارته المشهورة أن الوسخ لا ينقلع إلا بشيء من التخشين غير أن هذا التخشين يوجب من النعومة والنظافة ما يُحمَد معه ذلك التخشين.
وكثير ممن ينتحل الشيخ أو يُعظِّم طريقته بعدما فشت في الناس له رأي في الشدة العقدية أشد من رأي الذهبي، فهو لا يعتذر لأصحابها ولا يراها خاصة بظرف شخصي ثم يتكلف دعوى أن الشيخ كان على طريقته.