الفزع الصبياني من الشبهات
الفزع الصبياني من الشبهات
من ضمن الشبهات التي جعلت كثيراً من المتكلمين يرفضون دلالات الكثير من النصوص على إثبات الصفات قولهم :
أنها تستلزم التجسيم
وما هي مشكلة التجسيم ؟
مشكلته أن الأجسام متماثلة فذلك يقتضي التشبيه وما الدليل على أن الأجسام متماثلة ؟
دليله عندهم أن الأجسام مكونة من الجواهر المفردة والجواهر متماثلة في أصلها وإنما تختلف وتتباين بما يقوم بها من أعراض
هذه المقدمات الطويلة العريضة والتي كل واحدة منها محل نقاش طويل هي التي شوشوا بها على النصوص
ومن أجلها أكثروا الجدل في أخبار الآحاد
المفاجيء أن المقدمة الأولى والتي بني عليها بقية المقدمات ( تماثل الجواهر ) مقدمة ظنية ومحل خلاف !
وقد ذكر الآمدي عليها إشكالات وبين أنه لا دليل عليها
فصار القوم كما شبه بعض الحنابلة كتب الشيباني صاحب الرأي : كمن بنى قصراً كبيراً على أصل مغصوب ( يعني مسروق )
فلما استرد هذا الأصل هدم هذا القصر
قال ابن الوزير في العواصم ( ونشاته معتزلية ) مبيناً غلطهم في هذه المقدمات التي بنوا عليها التشكيك في دلالات النصوص وتسمية من يؤمن بها حشوياً :" وممن خالف في تماثلها أبو القاسم البلخي وأصحابه من المعتزلة، والفخر الرازي علي ما أشار إليه في " الملخص " وغيره، وغيرهم من أهل النظر والأثر.
حكاه ابن متوية/المعتزلي، في " تذكرته " عن أبي القاسم، وقد بالغت المعتزلة في دعوى تماثل الأجسام حتى قطعوا أن النور والظلمة جسمان متماثلان، وكذلك الغبار، والدخان، واللهب، والسحاب، والجِن، والإنس، والنجوم، والأحجار، والتراب، والأشجار، ومضغ القلوب اللطيفة الذكية التي هي مَحلُّ المعارف العلمية، وجنادل الحديد الصلبة القوية، والماء، والنار، والفضة، والقارُّ، والأجسام، والأرواح، والأجرام الكثيفة، والرياح، والصخور، والهباء الجواهر، وهو يفيد القطع برد قولهم في اللغة التي نزل عليها كتاب الله تعالى، وكيف وقد قال الله تعالى في: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 7 - 8]، ولو لم يُخالفوا في هذا الأصل إلاَّ هذه الآية الكريمة.
وإلى الردِّ عليهم في ذلك أشار أبو السعود بن زيد المطرفي في أرجوزته المشهورة، حيث قال:
ما نحن قلنا: النار مثلُ الماء ... والقارُ مِثلُ الفِضَّة البيضاء"
واستمر في ماقشتهم ولا أريد هنا الحديث عن هذا الأمر بعينه
وإنما أريد التنبيه على أن شيخ الإسلام لما ذكر كلام الآمدي وأنه جعل الخلاف في المسألة لفظياً
وأنه لا يوجد بينة قطعية على ما ادعوه في تماثل الجواهر وحمل الشيخ عليهم حملة قسورية
قال ابن تيمية في الدرء في ثنايا تعليقه على كلام الآمدي :
" والمقصود هنا نوع تنبيه على أن ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح
وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن بفزعه ذلك من الصبيان، ومن هو شبيه بالصبيان
وإذا أعطي النظر في المعقولات حقه من التمام، وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول
وأن لوازم ما أخبر به لازم صحيح، وأن من نفاه لجهله بحقيقة الأمر، وفزعاً باطناً وظاهراً
كالذي يفزع من الآلهة المعبودة من دون الله أن تضره ويفزع من عدو الإسلام لما عنده من ضعف الإيمان.."
وحال بعض الناس مع شبهات المتكلمين يشبه حال أقوام عندنا مع سخافات الحداثيين
فتجده مثل المتكلم الذي يقول ( العقل ) ويعني بذلك معقولات خلافية مبنية على مقدمات كثيرة تنازع فيها الناس
فكذلك الحداثي تجده يقول ( أين المساواة وهنا يوجد ظلم في النصوص ) ثم إذا تجده يطالب بالمساواة بين المسلم والكافر
وهذه قضية غير مسلمة نهائياً بل هي مخالفة لضرورة العقل لأن صحة الدين تقتضي أن الإيمان به محوري في مصير الإنسان
والقضية المحورية في مصير الإنسان كيف يستوي من آمن بها ومن كفر ؟!
فالعقل يقتضي التسوية بين المتماثلات لا المتناقضات المتنافرات وحتى لو كفر بالدين فإن المادة غير متساوية وفكرة المساواة غير مبرهنة .
وكذلك قولهم ( الحرية ) فالمرء إما أن يكون مخلوقاً فلا حرية له إلا بما منحه خالقه وأباح له
وإما أن يكون نتاج مادة صماء
فساعتئذ إثبات أنه حر وليس محكوما بالقوانين الفيزيائية فحسب أمر عسير على أصول الماديين