مثال على ما نقده أحمد مِن التوسع في ادعاء الإجماع..
مثال على ما نقده أحمد مِن التوسع في ادعاء الإجماع..
كنت قد كتبت مقالًا بعنوان [براءة الإمام أحمد من تهمة إنكار الإجماع] وشرحت معنى قوله "من ادعى الإجماع فهو كاذب"، وذكرت مسائل عديدة احتج بها أحمد بالإجماع.
ووقع لي أنني اشتريت حديثًا كتابًا بعنوان [الإجماعات التي حكاها الإمام أحمد جمعًا ودراسة] للدكتور محمد الفريح، وهي رسالة جيدة وتصلح في دعم مادة المقال.
وكان مما نقلته توجيه شيخ الإسلام:
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (6/ 286): "وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد، من ادعى الإجماع فهو كاذب، فإنما هذه دعوى بشِرْ وابن علية يريدون أن يبطلوا السنن بذلك يعني الإمام أحمد -رضي الله عنه- أن المتكلمين في الفقه من أهل الكلام إذا ناظرتهم بالسنن والآثار قالوا هذا خلاف الإجماع، وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن فقهاء المدينة وفقهاء الكوفة مثلا، فيدَّعون الإجماع من قلة معرفتهم بأقاويل العلماء واجترائهم على رد السنن بالآراء، حتى كان بعضهم ترد عليه الأحاديث الصحيحة في خيار المجلس ونحوه من الأحكام والآثار، فلا يجد معتصماً إلا أن يقول هذا لم يقل به أحد من العلماء، وهو لا يعرفه إلا أن أبا حنيفة ومالكاً وأصحابهما لم يقولوا بذلك ولو كان له علم لرأى من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن قال بذلك خلقاً كثيراً؛ وإنما ذكرنا ذلك على سبيل المثال.
وإلا فمَن تتبَّع وجد في مناظرات الشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم لأهل عصرهم مِن هذا الضرب كثيراً، ولهذا كانوا يسمون هؤلاء وأمثالهم فقهاء الحديث. ومن تأمل ما ترد به السنن في غالب الأمر وجدها أصولاً قد تُلقيت بحسن الظن من المتبوعين، وبنيت على قواعد مغروضة إما ممنوعة أو مسلمة مع نوع فرق، ولَم يعتصم المثبت لها في إثباته بكثير حجة أكثر من نوع رأي أو أثر ضعيف".
هنا ابن تيمية يذكر أن بعض الناس إذا وجد اتفاقًا بين أهل المدينة وأهل الرأي (مالك وأبي حنيفة) ادعى الإجماع وإن وُجِد خلاف، وقد وجدت هذا في مسألة من مسائل الجنائز.
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: "وقال بعض العلماء: إن روح النجاشي أحضر بين يدي النبيﷺ، فصلى عليه، ورفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، وعلم يوم موته ونعاه لأصحابه، وخرج فأمَّهم في الصلاة عليه قبل أن يُوارَى، وهذه أدلة الخصوص، يدل على ذلك أيضًا إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث، ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلا ما ذكره ابن أبي زيد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، فإنه قال: إذا استوقن أنه غرق، أو قتل، أو أكلته السباع، ولم يوجد منه شيء صلى عليه كما فعل ﷺ بالنجاشي، وبه قال ابن حبيب".
والقول بمشروعية صلاة الجنازة على الغائب استدلالًا بحديث النجاشي مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.
قال ابن قدامة في المغني: "(1605) فصل: وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة، ويصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن. وبهذا قال الشافعي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجوز. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما؛ لأن من شرط الصلاة على الجنازة حضورها، بدليل ما لو كان في البلد لم تجز الصلاة عليها مع غيبتها عنه.
ولنا، ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه نعى النجاشي صاحب الحبشة اليوم الذي مات فيه، وصلى بهم بالمصلى، فكبر عليه أربعا.» متفق عليه. فإن قيل: فيحتمل أن النبي ﷺ زويت له الأرض، فأري الجنازة. قلنا: هذا لم ينقل، ولو كان لأخبر به.
ولنا أن نقتدي بالنبي ﷺ ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه".
فتأمل نقل ابن بطال عن بعض المالكية ادعاء الإجماع مع وجود خلاف الشافعي وأحمد، فهذا مثال لما ذكره ابن تيمية من كون بعض الفقهاء كانوا يتوسعون بادعاء الإجماع بمجرد أن يرى اتفاقًا لأهل الرأي وأهل المدينة على قولٍ وعليه حمل كلمة أحمد.
وهذا لا يعني التشكيك في الإجماعات الثابتة والتي ينقلها علماء محققون.