إيضاح على إيضاح
إيضاح على إيضاح
قال عمر بن الخطاب : إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة. رواه البخاري
هذا الأثر محوري في معالجة الكثير من الانحرافات الموجودة اليوم فإن مشاكل أهل هذا العصر أن كثيراً منهم لا يقف عند الظواهر التي كلفه الله عز وجل بالوقوف عندها بل يتكلف الخوض في البواطن بالتخرص ثم يجعل هذا التخرص حاكماً على الظاهر
فعلى سبيل المثال قول بعضهم إذا رأوا من ينكر المنكر على مظهره : لعله عند الله خير منك ، وفي الواقع لعل هذه لا سبيل إلى الوقوف عليها إلا بالوحي وقد انقطع الوحي ونحن مأمورون بالتعامل بالظاهر ووقوعه في المنكر يقين ولعل هذه شك واليقين لا يزول بشك والله يتولى السرائر هذا مثال واضح فخذ مثالاً أخفى
لو قلت لك : أيهما أفضل المجاهد أم القاعد غير أولي الضرر
ستقول تلقائياً : المجاهد
فإن قلت لك : ماذا لو كان عند هذا المجاهد غالاً من الغنيمة وهذا القاعد باراً بوالديه
لعلك ستقول : لعل القاعد أفضل
فإن قلت لك : ولكن المجاهد استشهد
فتقول : بل المجاهد
فأقول : ولكن القاعد أسلم على يديه بعض الناس وكفل يتيماً وكان عفيف اللسان
فتقول : لعل القاعد
في الواقع أنا هنا مارست التدليس والتلاعب في هذه المقارنة وكلفتك ما لا تطيق المقارنة الأولى كانت سليمة نسبياً بين مجاهد وقاعد بشرط أن يكون الأمر بحسب الظاهر عندنا وأما ما عند الله فهو أعلم به سبحانه لتعلقه بإخلاص المرء وذنب المذنب له كفاراته ولكن افرض أنها مقارنة بين جنس المجاهد وجنس القاعد فهي سليمة في هذا السياق
ولكنني لما انتقلت إلى الخطوة الثانية ارتكبت عدة مغالطات الأولى : أنني ذكرت أمرين في سياقات مختلفة بخلاف المقارنة الأولى فسياقها كان واحداً فذكرت البر والغلول من الغنيمة والثانية : أنني أبقيت على اسم المجاهد مع أنه لا تلازم بين الجهاد والغل وأبقيت على اسم القاعد وقلت لك بعدما ذكرت الذنبين فأيهما أفضل المجاهد أو القاعد والذي يفترض أن أقول أيهما أفضل الغال أم البار
والمغالطة الأكبر أنني نقلتك من مقارنة مبنية على أدلة شرعية إلى مقارنة تراكمية لا يمكن الوصول إلى نتيجة فيها إلا بالوحي
فالمقارنة بين الفضلاء _ بالنسبة لنا وما عند الله لا علم لأحد به إلا بالوحي _ قد تكون متيسرة فهم مشتركون بقدر من الفضل ثم ننظر ما زاد كل واحد على الآخر
والمقارنة بين الفاسدين كذلك ولكن أشكل شيء المقارنة بين من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فإن هذا الباب تدخله اعتبارات عديدة فإن تحدثنا عما عند الله فمن الحسنات ما تكون مكفرة للسيئات ومن السيئات ما تكون محبطة للحسنات ولا ندري ما الذي قبل مما لم يقبل
وإذا تكلمنا بالنسبة لنا فهذا أشكل وأشكل فليس كل الناس يحكمون بموازين الشرع بل يدخل في الأمر من الأهواء والجهل ما يدخله فعلى سبيل المثال الناس يستقبحون المجاهرة بالإفطار أكثر من ترك الصلاة مع أن العلماء لا يختلفون أن الثاني أعظم لاعتيادهم على رؤية الثاني دون الأول
ويعظمون الأمور بحسب احتياجهم لها فإذا ساد الجور في زمان رأيت أطرب شيء لهم ذكر العدل فلو ذكرت العدل عن رافضي لرقوا له تناسوا سبه للصحابة ولكن إذا جئت إلى امرأة في زمن عدل غير أن أبناءها يعقونها فذكر البر أطرب شيء لها وأعظمه وتمر على ذكر العادلين مرور الكرام
كما أن أهل هذا العصر _ إلا ما رحم ربي _ إنما يعظم عندهم ما كان له أثر حسي مشاهد من المناقب والمثالب ومقام الاعتقاد الصحيح والاعتقاد الفاسد في قلوبهم ضعيف وأحسنهم طريقة من يفهمه بين المسلم والكافر ولكن يهون من شأنه بين المنتسبين للملة ، وتأمل استصغار غالب أهل العصر لأحوال الزهاد والفقهاء مع تعظيمهم للقيادات السياسية المنجزة على مر التاريخ
والمشكلة الكبرى أَن تخاطب هؤلاء الدهماء بقولك : معتزلي له من الصفات الطيبة كذا وكذا أم سني له من صفات السوء كذا وكذا
فتجده لجهله بواقع الخلاف العقائدي وخطورة البدعة يفضل المعتزلي ثم العجيب أن هذه النتيجة التي تبنى في ذهن الطالب وهو في بدايات الأمر وهو في عداد الدهماء تصير بعد ذلك حاكمة على بحثه العلمي فيعترض على بعض الأوصاف الشديدة على بعض الطوائف لأن منهم فضلاء من صفتهم كذا وكذا فبدلاً من أن تكون النتيجة العلمية هي الحاكمة في تقويم المقالات ثم الأشخاص المنتسبين لها يصير هذا التعاطف مع الأشخاص حاكماً على البحث العلمي مع أنه كان مبنياً أصلاً على قصور في فهم الخلاف وهذا الدور حاكم على الحالة العلمية اليوم إلا في قلة من المنصفين وتأمل أن سب الصحابة وتكفير أهل الكبائر عند الناس أعظم من إنكار الصفات وهذا خلاف اتفاق السلف مما يدل على أنهم لا يضبطون صنعة المفاضلات نهائيا وإنما المرجع عندهم للذوق
=
=
وذلك عن طريق إدخال الناس في مقارنات تراكمية تفصيلية الوصول إلى نتيجة قطعية ونهائية فيها لا يعرف إلا بالوحي ونحن إنما كلفنا بالظواهر المنضبطة أمامنا مثل وصف المبتدع ووصف السني ووصف العدل ووصف الفاسق
فإدخال حسنات المبتدع أو الفاسق التي لا تخرجه من اسم البدعة أو اسم الفسق في البحث الدنيوي خلط بين الميزان الأخروي والميزان الدنيوي فذاك يكون عند الله ويحكم به تفصيلاً بما لا سبيل عندنا إلى معرفته ( ونحن هنا نتكلم عن الحكم العام وإلا قد يكون في مجال معين أفضل كأن يكون قائد عسكري فاسق أحسن من عدل أو يكون راو مبتدع أوثق من سني وهذه أحوال أفراد ومتعلقة بسياقات مقيدة فحسب والبحث في الدنيوي العام الظاهر )
وإدخال سيئات السني التي لا تخرجه عن اسم السنة أيضاً من هذا الباب فنحن لا ندري هل سنته تكفر سيئاته أم العكس لا نرجي أحداً ولا نقنطه( والمصيبة التي أخشاها أن تكون سيئات السني متعلقة بمشروع إصلاحي مقدس خالفه هذا السني فلكي يجعل هذا المشروع فوق الوحي يجعل من أحدث في الدين فوق المخالف لهذا المشروع الاجتهادي وهذا واقع مشاهد تطبيقياً ولكن انتقاله لسياق التنظير يوحي بالإصرار والتعمد وأن الأمر لم يقع على جهة السهو والتناقض ) وإنما نعظم من شأن الإحداث في الدين مع تعظيمنا من شأن الكبائر ولكن نسبة الشيء إلى دين أمرها أعظم والترتيب هكذا كافر مبتدع فاسق عدل ، وإذا كنا نعقل أن تحبط حسنات كافر لكفره ويرتفع عليه مسلم فاسق لفسقه فيعقل من باب أولى أن ينزل مقام إنسان فاضل لبدعته غير أن النتيجة المخفية اعتبار البدعة ليست ذنباً بدعوى وجود التأويل مهما كانت ظاهرة وهذا من باب المحاكمة إلى المظنون التي ذكرناها في بداية المقال فهل يؤاخذ على ذنب البدعة أخروياً أم لا هذا عند الله في حال كونها مفسقة ولكن المتيقن عندنا أن هناك بدعة ومبتدع وأمرهما خطير على الاستقامة على السنة مع كون ذنوب السني المذكورة أيضاً أمرها إلى الله وقد تغفر
ولو سألنا ما ضابط حسنة السني وسيئة المبتدع التي تغير الحكم الأصلي في تفضيل السني بالجملة على المبتدع أو موالاته بالجملة فإنك لن تجد جواباً واضحاً ومنضبطاً وإنما يقال ( قد وقد ) ثم يترك الباب لذوقيات الناس وهكذا نخرج من البحث المنضبط إلى الفوضى الذوقية والتحاكم إلى سلوكيات مبنية على البحث المقلوب الذي أشرنا إليه مبدأياً من التهوين من شأن بعض البدع _ ومخالفة ما يقتضيه البحث العلمي والأصول السلفية _ تعظيماً لحسنات بعض أصحابها حتى رأيت جواباً لبعضهم يرفض كلام السلف في تكفير من يقول بخلق القرآن لأن هناك فقهاء متأخرين يقولون بهذا القول !
ويستثنى من البحث السابق ما بينه الوحي فمثلاً ما ذكر عن أهل بدر من المغفرة لهم يجعلهم خارج سياق النظر التفصيلي وإن كانوا عدولاً لا يشك فيهم وكذلك يقال في كل من ثبت له فضل الصحبة ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين) إلى قوله: (غفورا رحيما)
والخلاصة أن الذنوب كلها مذمومة ولا يغتر إنسان بحسنته فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، غير أن مراتبها في القبح مبينة شرعاً وفي كلام السلف ولا يصلح التشويش على الأصل العام بالمقارنات التراكمية واعتبار العوارض في محل وعدم اعتبارها في آخر والاحتكام لأذواق الدهماء ( وإن كانوا منتسبين للعلم وواقعم أنهم مقلدة ) وإدخال الميزان الأخروي غير المستطاع على الميزان الدنيوي المنضبط المستطاع في قدراتنا فذلك نتيجته التشويش وسقوط الأصول.