إعادة نشر بعد تعديل الأخطاء
إعادة نشر بعد تعديل الأخطاء
هناك أمنية كانت تداعب مخيلتي باستمرار وهي أن أعيش في مكان بعيد عن الناس وجميل وأظن أن هذه الأمنية تداعب مخيلة الكثيرين
ومرة وأنا أقرأ مصنف ابن أبي شيبة وجدت أثراً وكأنه جاء تعليقاً على هذه الأمنية
قال ابن أبي شيبة في المصنف 36390- حدثنا الفضل بن دكين ، عن موسى بن قيس ، عن سلمة بن كهيل ، قال : لو كان المؤمن على قصبة في البحر لقيض الله له من يؤذيه.
دائماً كانت آثار السلف تأخذ بلبي في عمقها غير أنني لا أخفيكم هذا الأثر أثار تعجبي جداً وكأنه يخاطبني ، وكنت كلما عدت إلى هذه الأمنية تراى لي هذا الأثر من بعيد فأمر وكأنني لا أراه وأستغرق في ذلك الخيال اللذيذ
غير أنني اليوم غلبني الشوق للآثار وقررت أن أتدبر في هذا الأثر بشكل أكبر
لماذا البلاء؟
حقيقة هذا السؤال هو بمنزلة (لماذا خُلقنا؟) فإن الحياة طبيعتها التدافع بين الخير والشر لأنها دار اختبار، ووقوع البلاء في مثل هذه الأحوال أمر حتمي، بل إن هناك أحوالاً من الخير لا يمكن تحصيلها إلا في وقت البلاء، خذ مثالاً: عبادة الصبر {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} ولذة الفرج بعد الشدة وشعور الأمل والتكاتف والمواساة وتمييز الصديق من العدو، وغير ذلك من الأحوال التي لا تحصل إلا بمس من البلاء، ولا يوجد بلاء إلا وفيه فوائده وجوائزه لمن أحسن استغلال الأمر.
قال أبو نعيم في الحلية حدثنا أبو نصر ظفر بن الحسين الصوفي، ثنا علي بن أحمد الثعلبي، ثنا أحمد بن فارس الفرغاني، قال: سمعت علي بن عبد الحميد الحلبي، يقول: سمعت ابن الفرضي، يقول: سمعت ذا النون، يقول: «البلاء ملح المؤمن إذا عدم البلاء فسد حاله»
قال الله تعالى : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)
اليوم استمعت لمحاضرة للدكتور أحمد عبد المنعم في تفسير هذه الآية وذكر ما قاله في الناس في المثال الناري في الآية : ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية ) وفي أقوالهم قول من قال أنه مثال ضرب لصراع الحق والباطل فأهل الحق في صراعهم مع أهل الباطل وما يصبهم من البلاء يكونون كالذهب الذي يتخلص من الشوائب إذا عرض على النار حتى يعود ذهباً خالصاً ولعل مما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ )
ولما سمعت كلام الدكتور أحمد اليوم تذكرت الإمام أحمد ابن حنبل !
وداعي هذا التذكر ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد 531- سمعت موسى الطرطوسي يقول : سمعت علي بن خشرم يقول : سمعت بشر بن الحارث ، يقول : دخل أحمد بن حنبل الكير ، فخرج ذهبة حمراء قال علي : فبلغ أحمد بن حنبل قول بشر ، فقال : الحمد لله الذي أرضى بشرا بما صنعنا.
فهنا بشر وكأنه يستحضر المثال الناري في الآية فيقول أن الإمام أحمد دخل في المحنة وصبر فاستبان طيب معدنه وخرج كالذهبة الحمراء ( يعني الخالصة ) وبان فضله على غيره مما شابتهم الشوائب
وبالنسبة لتلك الأمنية فاليوم أمازح نفسي وأقول لها أما أنك لا تطيقين مفارقة مواقع التواصل طويلاً ثم بعد ذلك تتمنين مفارقة الخلق طراً في مواقع التواصل وفي الواقع ، ما أعجب أمرك إنما يكفي المرء سويعات من العزلة يومياً أو حتى ساعة يتفكر بها ويحاسب بها نفسه .