كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أثر منهجي هام عن إسحاق بن راهوية في محاورة أهل الباطل.

المصدر
أثر منهجي هام عن إسحاق بن راهوية في محاورة أهل الباطل. ذكر شيخ الإسلام عن الإمام إسحاق بن راهوية رحمه الله أنه قال : دخلت على طاهر بن عبد الله بن طاهر وعنده منصور بن طلحة فقال لي يا أبا يعقوب : الله ينزل كل ليلة ؟ فقلت له : نؤمن به . فقال له طاهر: ألم أنهك عن هذا الشيخ ؟ ما دعاك أن تسأله عن مثل هذا ؟ قال إسحاق : فقلت له : إذا أنت لم تؤمن أن لك رباً يفعل ما يشاء , ليس تحتاج أن تسألني ( عن هذا ) [ درء تعارض العقل والنقل المجلد الأول الجزء الثاني منه ص 354 ] أقول : قول إسحاق ( إذا أنت لم تؤمن أن لك رباً يفعل ما يشاء , ليس تحتاج أن تسألني ( عن هذا ) مهم جداً ومحوري في كشف أغاليط أهل الباطل فسبب تشويش المعطلة على خبر النزول ليس استشكال هذا الخبر بعينه بل لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالأفعال الاختيارية لله عز وجل وأنه يفعل ما شاء متى شاء بل يجعلون الفعل هو نفس المفعول مع كون النصوص تفرق بوضوح والفرق معلوم بداهة ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) ( كن) فعل ( فيكون ) مفعول لهذا ولهذا تجد المعطلة إذا قالوا الشيء الفلاني ( من صفات الأفعال ) يعني المفعولات لا المعنى الذي يفهمه عموم الناس من إثبات الأفعال الاختيارية لله لهذا يفسرون الغضب بالعقوبة والرضا بالثواب لأنهم لا يؤمنون بحقيقة ثبوت الغضب والرضا لله عز وجل بل حتى السمع والبصر لا يثبتون فيها المعنى المتجدد ولهذا تجدهم في زماننا لا يناقشون أصل المسألة لمعرفتهم بضعف قولهم بل يذهبون إلى الحديث عن تسلسل الحوادث وعن أفراد أحاديث الصفات مما يستطيعون أن يشوشوا فيه على العامة والمبتدئين وهذا الحال أيضاً في الملاحدة واللادينيين فلا يناقش في أصل ثبوت الدين ولكنه يناقش في أحكام مبنية على ثبوت الدين وصحته مثل الجزية وحد الردة وغيرها ونحن نؤمن بما هو أعظم من ذلك أن من لايؤمن بديننا سيخلد في النار فنقول له : إذا لم تؤمن بصحة الدين فلا حاجة لك بالسؤال عن ذلك ( أي أن ذلك مبني على إثبات صحة الدين وقطعية دلائله أو رجحانها الواضح على كل النظائر فإن لم تناقش في أصل الدين أولا فأنت تناقش بالمقلوب وهذا شبه إقرار بضعف اعتراضاتك على أصل الدين فتعمد إلى الفروع وكأنك تقول الدين باطل لأنه يعامل نفسه على أنه حق ! وهذه خلاصة اعتراض كثير من الملاحدة واللادينيين يفترض أن الدين باطل ثم يتكلم في صحته ! ) وكذلك الإلزامات للفقهاء بأن هذا حكم ( ذكوري ) فإنه يكون فرعاً عن الإيمان بوجود مساواة مطلقة بين الذكر والأنثى أو عدم فهم لقاعدة الغنم بالغرم فتأتي الاعتراضات أو الاستشكالات فيقال للمتحدث أو المتحدثة إذا أنت لم تؤمن بالفروق بين الذكر والأنثى والتي تقتضي في فروقاً في الحقوق والواجبات وإذا لم تؤمن بأصل القوامة أو ( الهرمية ) فلا حاجة لك للحديث عن استشكالك لفروع بل ناقش في الأصل الذي من خلاله بنيت وصفك للأحكام ب( الذكورية ) على جهة الذم وستجد هذا الأصل لا يمكن إثباته أصلاً بل نقضه يسير وعلى هذه الأمثلة فقس وكثير من النقاشات التي تطول بين أهل السنة والمخالفين وكثير من الالتزامات الباطلة التي يلتزمها أهل الحق بسبب جدلهم مع أهل الباطل تأتي من عدم الإرجاع للأصول ومحاولة إقناع المخالف دون إفساد أصله أو التنزل معه على أصله وهذه طريقة وإن كانت ناجعة في بعض الأحيان إلا أنها لا تزيل الباطل من أصله وقد يتوهم بسببها بعض الناس أن الأصل الباطل مسلم به وقد يقع ذلك لبعض المحاورين.