كلمات تحتاج تأملاً
كلمات تحتاج تأملاً
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (18/ 52) :" وقد أمر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحرا في الفنون الكلامية والفلسفية منه وكان من أحسنهم إسلاما وأمثلهم اعتقادا ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة - سواء كانت حقا أو باطلا؛ إيمانا أو كفرا - لا تدرك إلا بذكاء وفطنة؛ فلذلك يستجهلون من لم يشركهم في علمهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم؛ إذا كان منه قصور في الذكاء والبيان وهم كما قال الله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} {وإذا مروا بهم يتغامزون} الآيات. فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم وقد لا يحصل لكثير منهم منها ما يستفيد به الإيمان الواجب فيكون كافرا زنديقا؛ منافقا جاهلا؛ ضالا مضلا ظلوما كفورا ويكون من أكابر أعداء الرسل ومنافقي الملة من الذين قال الله فيهم: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق ويكون مرتدا: إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه إما ردة نفاق وإما ردة كفر وهذا كثير غالب؛ لا سيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق فهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله: من الملائكة والنبيين وغيرهم فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيرا من رءوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون كرءوس القبائل مثل: الأقرع وعيينة ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن كذلك فكثير من رءوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليها ولكن مع مرض في قلبه ونفاق وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة"
إلى أن قال الشيخ :" وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله فضلا أن يكون موصلا لنعيم الآخرة قال الله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} الآيتين وقال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} إلى آخر السورة فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف وأن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك"
تأمل هذا الكلام جيداً هو يتكلم عن المتكلمين وذكر الآمدي والرازي تأمل قوله ( تقلدوا عن طواغيتهم )
وتأمل قوله : ( لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها )
وتأمل بالله عليك وأطل التأمل قوله : ( وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله )
وقارن العبارة الأخيرة بما قال الشيخ في النبوات :" أمّا من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل، أو عرف مع ذلك بالبراهين العقليّة والمكاشفات الشهوديّة صدقَهم فيما أخبروا؛ فإنّه يعلم غاية مثل هذا [الكلام] ، وأنّه إنّما ينتهي إلى التعطيل .
ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة، وسلوك، وعلم في هذا، فقال: كلام أبي حامد _ يعني الغزالي _ يشوقك، فتسير خلفه، منزلاً بعد منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء"
وهذا الذي جعله هنا الغايةَ، وهو: معرفة الله، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، قد ذكره في ((المضنون به على غير أهله)) وهو فلسفة محضة. قولُ المشركين من العرب خيرٌ منه، دع قول اليهود والنصارى. بل قوم نوح، وهود، وصالح، ونحوهم كانوا يُقرّون بالله، وبملائكته، وصفاته، وأفعاله، خيراً من هؤلاء. [لكن] لم يُقرّوا بعبادته وحده لا شريك له، ولا بأنّه أرسل رسولاً من البشر"
=