شهادة عزيزة بإنصاف مَن استبعد عذر منكر العلو
شهادة عزيزة بإنصاف مَن استبعد عذر منكر العلو
ليعلم القارئ الكريم أن هذه ليست مصارعة ولا مناكفة ولا مغالبة بل هي مباحثة ومحاججة ليصل جميع أهل الإنصاف إلى بر الأمان، ولولا طمع الكاتب بإنصاف الخصوم أو فئة لا بأس بها منهم ما تكلف كتابة شيء.
أرجو من كل منصف محايدًا كان أو مخالفًا أو موافقًا أن ينظر في الكلام التالي بغض النظر عن مواقفه المسبقة من كاتب هذه السطور.
والخطاب هنا سيكون موجهًا لأهل الإنصاف ولا أحد سوى أهل الإنصاف، فكل من رأى نفسه منهم فأهلًا وسهلًا به.
قال الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود في كتابه موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٢٢٨):
"المسألة الخامسة: العلو:
هذه الصفة من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص مستفيضة متواترة من الكاب والسنة، كما دلت عليها العقول والفطر السليمة، وقد أجمع على إثباتها سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وسطر أئمة السلف -في كتبهم وردودهم على الجهمية المعطلة- ما فيه بيان الحق من الضلال في هذا الباب. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وليس العجب في أن يوجد من ينكر هذه الصفة من الجهمية أو المعتزلة أو غيرهم ممن عرفوا بالزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، ولكن العجب أن يقلدهم في ذلك جماعات من العلماء الفضلاء، الذين يعتبرون من أئمة الفقهاء والعلماء والقضاة. ولو كانت أدلة العلو دليلين أو ثلاثة أو خمسة أو لو كان القائل به عددًا محدودًا من علماء السلف، لكان هؤلاء بعض العذر في موقفهم مما قد يقال فيه: إن الأمر التبس عليهم. أما أن تكون أدلة العلو بهذه الكثرة والوضوح والقعطية في الثبوت والدلالة، وأن تتوافق الأدلة النقلية -التي زادت على ألف دليل- مع أدلة العقل والفطرة، ثم بعد ذلك يأتي إجماع السلف على إثباتها، ويوافقهم على ذلك أئمة أهل الكلام المتقدمين من الكلابية والأشعرية وغيرهم— فهذا ما لا يجد له المسلم المنصف أي تفسير أو تبرير إلا أن باعثه التقليد والتعصب الأعمى لشيوخهم النفاة".
ويقول أيضًا (٣/ ١٢٣٣): "إثبات علو الله تعالى معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين".
أقول: الدكتور المحمود لا يكفر أعيان متأخري الأشعرية منكري العلو، ومِن هنا جاءت قيمة شهادته هذه، فمعلوم ما الذي سيستفيده أي قارئ مدقق من مجموع النقلين السابقين.
النقل الثاني يقول إن إنكار العلو كفر أكبر، والنص الأول يقول إن إنكار العلو من مجموعة من الفضلاء لا يمكن أن يُلتمس لهم فيه العذر، فهم خالفوا الكتاب والسنة والإجماع والفطرة ومتقدمي الكلابية والأشعرية أيضًا، وما حملهم على ذلك إلا التعصب.
وإذا كان الأمر كذلك فالتعصب للآباء ما كان عذرًا في رد النبوات ولا كان عذرًا في مخالفة أي حق ظاهر.
وهنا خطاب أوجِّهه لأهل الإنصاف:
هل يرضى أهل الإنصاف أن يوصف من يحكم بحكم شديد على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والفطرة واستَبعد كثيرون عذرَه بأنه مغالٍ أو خارجي مع أن أصل الحكم الشديد ثابت عن السلف بل هو محل إجماعهم؟
هل يناسب هذا في زمن الطعن في المتقدمين وادعاء أن التراث يُخرج غلاة؟
هل يقال إن مَن حَكَم بهذا الحكم الشديد يكفِّر كل المخالفين؟ مع أن المخالفين ليسوا كلهم مخالفين للمتواترات والفطرة وإجماعات السلف، فإنكار العلو عند عامة المحققين أظهر مخالفةً من القول بخلق القرآن وإنكار الرؤية بل وإنكار معاد الأبدان، فهل يُقبل بهذا التهويل؟
وهل يقال في إنسان وقع في هذه المخالفة ومخالفات أخرى كثيرة وعاش بين أهل السنة ثلاثين سنة مُصرًّا على هذه المخالفة للفطرة والعقل والمتواترات هل يقال إنه قد يكون معذورًا؟
قد كان ابن تيمية يعلل عذره لعدد من المخالفين بانتشار الباطل وغلبته (على الأقل بين الخواص)، فهل ينطبق هذا على من عاش بين أهل السنة كل هذه المدة؟ وعليه فما مفهوم قيام الحجة وكيف يمكن تطبيقه؟ هل هو شيء ذهني مجرد فحسب؟
الذي يعذر الملحد والكافر الأصلي ينطلق من كون الحق خفيًّا لمجرد اختلاف الناس (فهو ينفي وجود العناد والكبر والتقصير في طلب الحق، بل ينفي وجود حق موضوعي) ويرى أن الحق تابع للاعتقاد لهذا يتفاوت بين الناس، فما هو حق عندك ليس حقًّا عندي والعكس.
وأهل السنة يؤمنون بوجود حق موضوعي ووجود كبر وعناد وتقصير في طلب الحق، كما يؤمنون بوجود خفاء نسبي في عدد من المسائل، وهذا الخفاء جائز عليه الزوال ويدرَك بقرائن ويدرَك زوالُه أيضًا بقرائن، فالعذر في بعض المسائل لا يقتضي العذر فيها كلها، والعذر لبعض الأفراد في مخالفة ما لا يقتضي العذر لجميع الأفراد في المخالفة عينها.
=