كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لا أكون مبالغا إذا قلت أن هذا العصر هو عصر المآسي العلمية بحق ..

المصدر
لا أكون مبالغا إذا قلت أن هذا العصر هو عصر المآسي العلمية بحق .. ولذلك عوامل عدة من فقدان المرجعية وطغيان أهواء النفوس لضعف التزكية والكلف بوهم التجديد والاستسلام للخصومات ومتلازمة الانصاف مع طبيعة التفكير متنوعة المرجعيات المتناقضة في آن واحد في زمن ما بعد الاستعمار مع الضعف العلمي العام الذي يجعل لكل كلمة مهما كانت تافهة وزنا والمرء لا يكاد يقلب طرفه هنا أو هناك حتى يجد عجائب تستدعي الوقوف أحدهم أراد أن يتعقب الحكم المشهور بعدم تكفير المرجئة فادعى أن تكفيرهم هو قول جماعة من الصحابة وخفي ذلك على عامة الناس حتى كشفه هو فأول هؤلاء الصحابة حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ، ولَك أن تتعجب كيف يكون لصحابي قريب الوفاة من عثمان قولا في فرقة إنما ظهرت بعد انقراض عصر الصحابة وإذا به يعتمد على أثر حذيفة في المنافق : هو الذي يصف الإسلام ولا يعمل به . وهذا الاستدلال فيه خلط من المستدل بين حكم الفاعل وحكم من لم يحكم عليه بالحكم المستحق فمذهب المرجئة الحكم بصحة وكمال إيمان من لا يعمل ولكنهم لا يبيحون له هذا ويرونه متوعدا في الآخرة وتحت المشيئة ولا يلزم من كوّن هذا قول المرجيء أنه يترك العمل ، فلا يلزم من كوّن المرء لا يكفر تارك الصلاة مثلا أو الزكاة أو الحج أنه يتركها ولا يلزم من كوّن المرء لا يكفر الطائفة الممتنعة أنه ممتنع كيف هذا وهو يقول بقتالهم وهذا بديهي لكل من أنعم النظر وأنصف ثم ادعى أن ابن عباس قال بكفرهم لأن عنه أثر في الإبانة لابن بطة لفظه : صنفان من أمتي ليس لهما من الإسلام نصيب المرجئة والقدرية . ولو دقق النظر قليلا لعلم أن هذا اللفظ يناسب النبي صلى الله عليه وسلم وليس ابن عباس حيث يقول ( من أمتي ) وفعلا الحديث بالإسناد نفسه مروي في السنة لابن أبي عاصم وجامع الترمذي وغيرها من المصادر مرفوعا إلى النبي الكريم فينبغي أن يقول النبي كفرهم وليس ابن عباس هذا إن صح الحديث وهو حديث منكر أمارات النكارة عليه بادية لهذا هجر عامة أهل العلم القول بظاهره ثم زعم هذا المتكلم أن علي بن أبي طالب شخصيا كفر المرجئة وذلك بناء على أثر في الإبانة لابن بطة عن محمد بن علي عن أبيه وفيه تشبيه المرجئة باليهود ! واعتبر هذا تكفيرا علما الأثر ليس قوي الاسناد اذ فيه بلاغ وعلي هنا يغلب على الظن أنه علي بن الحسين وليس علي بن أبي طالب فإن محمد بن علي بن أبي طالب شهرته في الأسانيد محمد بن الحنفية ولا يقال محمد بن علي إلا في أندر النادر وإذا أطلق محمد بن علي الذي يروي عن أبيه فهو الباقر وَيَا ليت شعري متن الأثر يستحيل أن يتكلم به علي فهو يتكلم عن القدرية والمرجئة بالعهد الذهني وفِي وقت علي ما ثمة قدرية ولا مرجئة وقياس قول علي عدم تكفير المرجئة اذ أنه لم يكفر نظراءهم من الخوارج وهذا الكاتب يظن أنه بهذه العقلية الضحلة يمكنه التعقب على كبار العلماء وكان مما ادعاه أن وكيعا يكفر المرجئة مستدلا بأثر في الإبانة يذكر فيه وكيع مقالات عدة منها مقالة المرجئة ويقول وذلك كله كفر . وفِي الواقع ابن بطة على إمامته في حفظه شيء وقد تحامل عليه البعض لذلك مع كوّن عامة الابانة محفوظة والأثر عن وكيع بلفظه الأقوى يدل على عكس مقصود المعترض قال البخاري في خلق أفعال العباد : وقال وكيع: " أحدثوا هؤلاء المرجئة الجهمية - والجهمية كفار - والمريسي جهمي، وعلمتم كيف كفروا، قالوا: يكفيك المعرفة، وهذا كفر، والمرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل، وهذا بدعة. وهذا واضح في عدم تكفير المرجئة غير الغلاة وحتى المروي عن إسحاق والذي فهم منه عدد التكفير للمرجئة حين سئل عمن يقول أنا مؤمن حقا فقال هو كافر حقا . يعسر حمله على الحقيقة وإنما هو على التغليظ لأن الصنف المسئول عنه هو أخف المرجئة فالذي يقول أنا مؤمن حقا لا يلزم من قول إنكار الزيادة والنقصان أو كوّن الإيمان قولا وعملا ولا أنه يقول إيماني كإيمان جِبْرِيل كما نبه عليه أبو عبيد القاسم في كتاب الإيمان لهذا أحمد لما سئل عمن يقول الإيمان قول وعمل ولا يستثني قال أرجو ألا يكون مرجئا ولو تأملت لوجدت أن هذا هو الصنف الذي غلظ فيه إسحاق بل طاووس التابعي يقول عجبت لإخواننا أهل العراق يزعمون أن الحجاج مؤمن . سماهم إخوانا ويبين صحة هذا التوجيه أن إسحاق نفسه أجاز الصلاة خلفهم في رواية حرب نفسه راوي الرواية المتقدمة قال حرب في مسائله : وسئل إسحاق بن إبراهيم عن الرجل يقول: «أنا مؤمن حقا»؛ هل يصلى خلفه؟ قال: «إن كان داعية؛ لم يصل خلفه. وعليه فهو يجوز الصلاة خلف غير الداعية وهذا يدل على عدم التكفير ومن أراد معرفة موقف أهل الحديث من المرجئة الأوائل في باب التكفير لينظر ما كتب محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة وأبي عبيد القاسم في الإيمان والدارمي في بداية رده على المريسي = = وكل من لم تكن له خبرة كافية بالآثار مثل هذا المعترض ليحجم ويريحنا ولا ينفعه اذا لقي الله هوس تعقب ابن تيمية والمعاصرين بحق أو بباطل وكل من علم طريقة كبار المحدثين علم أنهم يروون لأهل الإرجاء غير الغالي ما تخلف منهم أحد هذا مع إحجامهم عن الجهمية وأهل الرأي في الغالب فحتى شعبة الذي تنسب له بعض كتب المصطلح ترك الرواية عن أهل البدع مطلقا روى عن عمرو بن مرة واعترف أنه مرجيء وحتى في كتاب الابانة الذي اعتمده المعترض ابن المبارك يعد فرق المسلمين فيذكر المرجئة فيهم فلما ذكروا له الجهمية قال إنما ذكرت لكم المسلمين يعني والجهمية ليسوا كذلك عنده ( ثم المعترض ينسب التصريح بعدم التكفير لأحمد فقط لأنه تحضر له المادة فلا يستوعب ) وهذا كله في المرجئة غير الغلاة وأما الجهمية الذين يقولون بأن الإيمان قلبي فقط وأن التلفظ بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فحسب ولو صدق بقلبه وما تكلم بالشهادتين فهو ناج في الآخرة فهذا قول مكفر ( وعليه الكثير من الأشاعرة والماتردية ) وكثير ممن يذم الإرجاء الْيَوْم ويحصره بالإرجاء السياسي تجده مبالغا في تعظيم غلاة المرجئة من المتكلمين لأنه واقع في ارجاء تأخير العقيدة عّن البحث السياسي ونحن هكذا بين غلاة وجفاة أساءوا للعلم بجدلهم البعيد عن الورع والإتقان وكلما رددت على طرف منهم ظنوك من الآخر لأن الخصومة استغرقتهم فلا يَرَوْن الا النقيض وعميت أبصارهم عن القول المتوسط الحق