الغرب ومعضلة تقديس الحرية الضارة (التدخين نموذجاً)...
الغرب ومعضلة تقديس الحرية الضارة (التدخين نموذجاً)...
هنا تعليق على ورقة علمية في أخلاقيات علم الأحياء، بعنوان: (حرية الاختيار ونهاية لعبة التبغ) للدكتور أندرياس شميدت، وهذا من أحسن المقالات التي قرأتها مؤخراً في المجال، وقبل الولوج في التعليق على مواطن من المقال أشرح للقارئ معضلة الفكر الغربي مع الحرية.
لو سألت: لماذا لا يُمنع التدخين مع كونه ضاراً ويُسبب حالات وفاة كثيرة جداً؟
فعادةً يوجد جوابان لهذا السؤال:
١- جواب يردِّده الرأسماليون (والحكومات التي تريد الضرائب) ومن يدور في فلكهم، ويحتوي على كثير من الخداع والتلاعب، فهم يصورون لك أن منع التدخين سيؤدي إلى انتشاره أصالةً، وإلى أننا لن نستطيع أن نأخذ الضرائب من الشركات، والتي ننفقها في علاج آثار التدخين، وأن الدخان سيتعاطاه الأطفال؛ لأن العملية لن تكون منضبطة، وغيرها من التعليلات.
والتي إذا سمعتها بدا لك أنه ينبغي أن نرخص للمخدرات أيضاً، وهذه التعليلات تقريباً هي تعليلات من يبيح الدعارة، وهي تعليلات ضعيفة، فالأطفال أكثر ما يجعلهم يفكرون بالتدخين هو مشاهدة الكبار يدخنون، وهم الآن يدخنون وإذا مُنع الدخان رسمياً فإن الوصول إليه سيكون أصعب والمخاطر المحتفة ببيعه أكبر؛ ولذا أسعاره لن تكون بمتناول عامة الأطفال.
وأما قصة الصحة والضرائب فهذه مضحكة، فإن المرضى سيزيدون بمجرد السماح، فلو فرضنا أننا إذا منعنا الدخان سنضحي بتكاليف علاج المرضى الحاليين؛ فإن ذلك سيمنع وجود مرضى في المستقبل أضعاف أضعافهم، مع أن علاج الحاليين يمكن أن تتكلف به الدولة وكذلك شركات التبغ إذا حولت نشاطاتها، وفي الإسلام عندنا زكوات؛ وصدقات؛ وفيء وغيرها، ولكن الرأسمالية تُوجِد المشكلة ثم تقترح حلها بمشكلةٍ أخرى.
٢- الجواب المنتشر بين فلاسفة العلوم والحقوقيين، وهو قولهم: إن منع التدخين سلوك أبَوي (يضاد الحريات)، وهم عندهم عقيدة بالحريات كعقيدة أهل الأديان بأديانهم، فالحرية قيمة مقدسة حتى لو كانت ضارة (ولا يخفى أن هذا معنى عقائدي أكثر منه مصلحي).
ولهذا تجد الغربيين يختلفون في الدعارة، فمنهم من يقننها بحجة الجوابين السابقين، ومنهم من يرفضها بحجة أنها نقيض الحرية وصورة من العبودية.
هذا الجواب الثاني هو الذي يُناقشه صاحبنا في مقاله هذا.
بنى أطروحته على عدة أمور:
أولها: أن التدخين ضار، فالمدخنون يفقدون عشر سنوات من عمرهم المقدر، وأن ٨ ملايين إنسان يموتون بسبب التدخين، منهم مليون وثلاثمائة ألف بسبب جلوسهم مع المدخنين (أي أن المدخن يضر نفسه وغيره).
هذه النقطة حجتها أن ضرر المدخن لا يقتصر على نفسه.
ثانيها: أن التدخين حالة إدمانية وبناءً على ذلك لا يمكننا الزعم أن المدخن مختار للاستمرار؛ لأن إرادته تتناقص (وهذا سيشمل الخمر لو دقَّق النظر).
ثالثها: أننا بفرض قيود على التدخين عند زيادة الضريبة، وبالمنع من التدخين في أماكن معينة وغيرها= حقاً نقيد الحريات، فنحن فعلاً نقيد حرية المدخن.
رابعها: أن الحرية التي مآلها تقييد حرية مرفوضة، كما رفض الفلاسفة الأوائل حرية أن يكون المرء عبداً رقيقاً (وهذه حجة من يمنع الدعارة).
ومن عباراته العجيبة في مقاله: "وقد أظهرت جهود مكافحة التبغ في العقود الأخيرة أن السياسة العامة يمكن أن تنقذ ملايين عديدة من الأرواح".
الذي أريد قوله: إن الحرية الجنسية التي يروِّج لها الغربيون كانت نتيجتها الرئيسية (الإجهاض) للملايين يومياً؛ والأمراض الجنسية القاتلة؛ وتقلُّص الأسرة، وهذا على حجج الكاتب سبب كافٍ للمنع.
الخمور تشترك مع التدخين في عامة الأضرار بالجملة، وتزيد في أنها سبب رئيسي للعنف الأسري.
ونحن معاشر المسلمين عندنا أيضاً السلامة من الضرر العقدي والضرر الأخلاقي.
والخلاصة: إن الحجج القوية التي تُقدَّم لمنع التدخين تصلح أيضاً لبيان فساد منهج الحرية الغربي، الذي عادةً ما تُعارَض الشريعة بسببه.