كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ياسر قاضي واختبار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في العقيدة

المصدر
ياسر قاضي واختبار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في العقيدة قال الداعية المقيم في أمريكا ياسر قاضي في بث له: "والسلفيون بحاجة أن يدركوا حقيقة -وسوف أكون صريحاً جداً هنا- أنه إذا كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هنا، بيننا الآن، وأعطوه مسابقة في العقيدة، واقع الأمر هو أن الاختبار الذي تضعه أمامه، سيفشل فيه". ياسر قاضي يشبه حاتم العوني، وقد كثرت عليه المآخذ في الآونة الأخيرة، على أنه شديد الاعتداد بنفسه ضخم الدعاوى مع هزال علمي ظاهر. لا أستغرب أن يطلق مثل هذه الدعوى ويظن نفسه محقاً، لأنه هو وكثير من طبقته شبه عوام بآثار الصحابة الكرام، وهذا ما تأكد لي بعد عملي زمنا طويلاً في جمع آثار الصحابة، فاشتغال القوم المبالغ به بكتب المخالفين مع إهمالهم لكتب السلف المتقدمة كانت له نتائج كارثية، منها هذه الدعوى التي يطلقها هذا الإنسان وهو مرتاح الضمير ويظن نفسه أصاب كبد الحقيقة. سنجري اختباراً لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهذا تنزل لفظي وإلا فهو أكبر من ذلك، وننظر من خلال آثاره هل سلوكيات عمر -رضي الله عنه- أشبه بالطريقة التي يدعو إليها القاضي أم بالسلفية المتشددة التي يهجوها. أ) روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن الزبير أنه يخبر، أن عمر لما كان بالمخمص من عسفان استبق الناس، فسبقهم عمر فقال ابن الزبير: فانتهزت فسبقته، فقلت: سبقته والكعبة، ثم انتهز فسبقني، فقال: سبقته والله، ثم انتهزت فسبقته، فقلت: سبقته والكعبة، ثم انتهز الثالثة فسبقني، فقال: سبقته والله، ثم أناخ، فقال: «أرأيت حلفك بالكعبة، والله لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك، احلف بالله، فأثم أو ابرر». فيه إنكار عمر بشدة على موضوع الحلف بغير الله، وهذا اليوم فاشٍ في الناس ولا يكاد ينكره بشدة مقاربةٍ إلا السلفيون، وتجد بعض المذهبيين يزعم الكراهة فقط في الأمر! وهذا قول عمر في الحلف بغير الله، فما بالك بالاستغاثة بغير الله وغيرها مما هو أشد خطرا باتفاق العقلاء. ب) روى البغوي في الجعديات ٢٢٣٢ بسند صحيح عن نبيح العنزي قال: كنت عند أبي سعيد الخدري فذكر علي بن أبي طالب ومعاوية، أحسبه قال: فنيل من معاوية -كذا قال علي- وكان مضطجعا فاستوى جالسا، فقال : كنا ننزل أو نكون مع النبي صلى الله عليه وسلم رفاقا، رفقة مع فلان، ورفقة مع أبي بكر. فكنت في رفقة أبي بكر، فنزلنا بأهل بيت أو بأهل أبيات، فيهن امرأة حبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال لها البدوي: أيسرك أن تلدي غلاما أن تعطيني شاة، فأعطته شاة، فسجع لها أساجيع، ثم عمد إلى الشاة فذبحها، ثم طبخها. قال: فجلسنا، أو فجلسوا فأكلوا فذكروا أمر الشاة، فرأيت أبا بكر متبرزا مستنثلا يتقيأ - قال ابن منيع: لم أفهم عن علي هذا الكلام إلى قوله يتقيأ- قال: ثم إن عمر أتي بذلك الأعرابي يهجو الأنصار. فقال عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكفيتكموه، ولكن له صحبة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. أقول: أبو سعيد الخدري لما رأى الذين ينالون من معاوية حدثهم بأن عمر بن الخطاب أسقط العقوبة عن رجل نال من الأنصار لصحبته، وأراد بذلك قياس معاوية عليه وهو أولى بذاك رضي الله عنه. وهذا هو سلوك السلفيين وما يدعون إليه في شأن الخلافيات بين الصحابة، وهذا هو المدوَّن في عامة المتون العقدية. ج) في مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح عن خرشة بن الحر، قال: "رأيت عمر يضرب أكُفَّ الناس في رجب، حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية". هنا عمر ينكر على من يصوم لله في شهر رجب، ويرى ذلك بدعة، ويقول إن أهل الجاهلية عظموا هذا الشهر فلا تعظموه، فما بالك لو رأى احتفال الناس بأعياد النصارى؟ د) وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن المسيب، قال : بينا عمر يعرض إبل الصدقة إذ أقبل راكبان، فقال: مِن أين؟ فقالا: مِن بيت المقدس. فعَلاهُما عمر بالدرَّة، قال: حَجٌّ كحجِّ البيت. أقول: عمر هنا ينكر على شد الرحال لبيت المقدس، مع أنه ورد فيه حديث "لا تشد الرحال" ولعله لم يبلغه، أو أنكر المداومة، فما بالك لو رأى عمر شد الرحال إلى المشاهد والقبور والزوايا والتكيات. هـ) وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عثمان قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه أن ههنا قوما يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك، فاقبل، وقال عمر للبواب: أعدلي سوطا، فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربا بالسوط، فقال: يا عمر! إنا لسنا أولئك الذين - يعني أولئك قوم يأتون من قبل المشرق. قلت: أصل الدعاء ثابت المشروعية في النصوص، ولكن لمّا كان اجتماع هؤلاء على هذه الصفة البدعية فعل عمر معهم ما فعل، وبرأوا أنفسهم أنهم ليسوا الخوارج، فما بالك لو رأى عمر بدع الصوفية وحضراتهم والاحتفال بالموالد؟ = = و) في صحيح البخاري عن أبي وائل قال جلستُ إلى شيبة في هذا المسجد، قال جلس إليَّ عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هَمَمْتُ أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتُها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعلٍ، قال: لِم، قلتُ لَم يفعله صاحباك، قال: هما المرءان يُقتدى بهما. هنا يترك عمر أمرا يرى فيه مصلحةً اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في تركه، لأنه قام داعيه في زمانهما وما فعلاه، وهذه هي السنة التَّركِية، وتلك حجة السلفيين في ترك عامة البدع والتفريق بين ما قام داعيه في زمن السلف ولم يفعلوه وما لم يقم داعيه. ز) في مصنف عبد الرزاق بسند قوي عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر، فقرأ: ألم تر كيف فعل ربك، ولإيلاف قريش، ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض». هنا ينكر عمر تتبُّعَ آثار الأنبياء وبناء البيع عليهم، فكيف لو رأى بناء المساجد على قبور الأولياء؟ ح) عمر بن الخطاب يُعظِّم صاحبه عبد الله بن مسعود جدا: جاء في فضائل الصحابة للإمام أحمد بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: كنت جالسا عند عمر فأقبل عبد الله فدنا منه فأكب عليه، فكلمه فلما انصرف قال عمر: «كنيف ملئ علما». عبد الله بن مسعود له مسألتان في العقيدة تخالفان الماتردية الذين يتملقهم ياسر قاضي بهذا الطرح. المسألة الأولى: انعقاد اليمين بالقرآن: قال المروذي في رسالة له يناصح رجلا في مسألة القرآن، وقد أقرها الإمام أحمد وهي في السنة للخلال: "١٩٢٥ - وقد روى الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي كنف، عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلا يحلف بسورة البقرة. فقال: «أما إن عليه بكل آية يمينا». فهذا خلاف ما قاله هؤلاء الجهمية الشكاك". يريد المروذي أن اليمين لا ينعقد بمخلوق، فلما أوجب عبد الله بن مسعود الكفارة بيمين القرآن دل ذلك على أنه كلام الله غير مخلوق (والهراء الموجود عند بعض متأخري الحنابلة أن هناك فرقا بين الانعقاد والجواز ليس من كلام أئمة أهل السنة الذين اشتد نكيرهم على الجهمية). وهذا خلاف المعتمد من مذهب متأخري الأحناف الذين لا يرون انعقاد اليمين بالقرآن لأن عامتهم ماتردية يقولون بخلقه. ولا أدري كيف يدَّعي البعض وجود الإجماع على جواز التمذهب بمذهب فيه مسائل الجهمية بشكل واضح، ويُنسب هذا للأئمة الذين أنكروا على الجهمية ولم يزل علماء المذاهب ينكرون هذا القول. المسألة الثانية: الاستثناء في الإيمان: روى ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان بسند صحيح عن أبي وائل، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني لقيت ركبا فقلت: من أنتم؟ قالوا: «نحن المؤمنون، قال: فقال: ألا قالوا نحن من أهل الجنة». وهذا خلاف مذهب الحنفية وعموم المرجئة (عدا الأشعرية) الذين يقطعون بقولهم "نحن مؤمنون" ويرون كلمة "إن شاء الله" شكًّا مذمومًا (وما رُوي عن ابن مسعود في الرجوع عن هذا لا يثبت، كما حققته في مقال وذكرت هناك كلام أحمد). قال صاحب مغني المحتاج (١٦/ ٣١٨): "فائدة: لا بدع ولا إشكال في العبارة المعزوة إلى إمامنا الشافعي -رضي الله عنه- في قوله: أنا مؤمن إن شاء الله فهي مروية عن عمر، وصحت عن ابن مسعود، وهي قول أكثر السلف والشافعية والمالكية والحنابلة وسفيان الثوري والأشعرية، وحكي عن أبي حنيفة إنكارها. قال الدميري: وهو عجيب لأنها صحت عن ابن مسعود وهو شيخ شيخ شيخ شيخه". ط) في حديث الجارية ثبت أنها قالت إن الله في السماء، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لها بالإيمان، وواضح أن مفهومه أن من لم يعتقد اعتقاد الجارية فليس مؤمنا. وهذا عمدة السلف في تكفير الجهمية، مع موقف عبد الله بن عمر لما قال في القدرية: "لو أن لأحدكم مثلَ أحدٍ ذهبًا، فأنفَقَه ما قَبِلَ اللهُ منه حتى يؤمن بالقدر". فلو قيل على طريقة ابن عمر: لو أن لأحدكم مثلَ أحدٍ ذهبًا، فأنفَقَه ما قَبِلَ اللهُ منه حتى يؤمن بما آمنت به الجارية، ما كان القائل كاذبا. ونزيد على هذين الأثرين ما روى هناد في الزهد بسند صحيح عن أنس قال: «من كذَّب بالشفاعة فليس له فيها نصيب، ومن كذَّب بالحوض فليس له فيه نصيب». وكذلك يقال: من كذَّب بوجه الله فليس له من رؤيته نصيب، وأهل الجنة كلهم يرون الله، فهذا يلتقي مع معاني الآثار السابقة. وعمر بن الخطاب لا يخالف الجارية وأنسًا وابنه عبد الله، فظهر أن العقيدة التي ندرسها عامتها متصلة السند بالصحابة الكرام بشكل واضح، والحمد لله على توفيقه.