كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

نفاذ بصيرة ابن تيمية في علاقة الجهمية بابن عربي.

المصدر
نفاذ بصيرة ابن تيمية في علاقة الجهمية بابن عربي. من أكثر الشخصيات الجدلية في التاريخ الإسلامي (ابن عربي الطائي)، والذي ينسبه جماعة من الناس إلى الكفر البواح وقوله بوحدة الوجود والتي تعني أن كل شيء هو عين ذات الله، ومن الناس من يراه مظلوماً ويدافع عنه ومنهم من يقول كلامه له تأويل وهؤلاء المدافعون في حقيقتهم على قسمين: قسم عقيدته هي عقيدة ابن عربي أو تتقاطع معها في نقاط خطيرة، ومنهم من يدافع عنه حقاً. ومن خبر كلامه تمام الخبرة علم أنه نعم فيه اضطراب ولكن وحدة الوجود ظاهرة في كلامه ولسنا بصدد تحقيق هذا الآن؛ وإنما للتنبيه على أمر دقيق وهو أن الخلاف في شأنه لا زال دائراً بين الأشاعرة إلى يومنا هذا وكذلك بين الإمامية فقلة من الأشاعرة اليوم تدينه وقد كان يدينه كثيرون جداً في زمن ابن تيمية وبعده ولكن كلما تقدم الزمان خفت الصوت الأشعري المنكر على ابن عربي وصار أقل مع أنه موجود، وكذلك في الإمامية هناك من يثني عليه جداً وهم ”أهل العرفان“ وبعضهم ينسبه للتشيع وبقية الشيعة يسبونه ويلعنونه..وهنا سؤال ما سر انتشار عقائد ابن عربي بقوة في الأشعرية والإمامية دون غيرهم؟ كنت شرحت في صوتية لي بعنوان ”كيف دخلت الفرعونية إلى الأمة“، كيف أن التعطيل الذي يسمونه تنزيهاً ينتهي إلى مثل مذهب ابن عربي ضرورة وابن عربي بدأ الأمر من فلسفتهم، غير أنني هنا سأنقل كلامًا لابن تيمية في هذا السياق في رسالته إلى أتباع ابن حمويه والموجودة في الجزء الرابع من جامع المسائل، حيث يقول الشيخ بعدما سرد بعض عباراتهم : "ثمَّ يتأمَّل بنور الإسلام: هل هذا القول يرضاهُ اليهود والنصارى والمشركون، أم هو شرٌّ من مقالات هؤلاء؟ ويَعرِض ما قاله هو على كتاب الله الذي أنزلَه من السماء وسنةِ رسولي خاتم الأنبياء وما اتفق عليهَ أهل العلم والإيمان، فإن ذلك هو سلطان الله ونوره وهداه وبرهانه، ثمّ بعد هذا يتكلم" وقال أيضاً: ”وقد قَدِم علينا أكبر مشايخ تلك البلاد من السعدية حسام الدين الكرماني حاجًّا، وخاطبتُه في حالِ هؤلاء، وبيّنتُ له من كلام ابن العربي وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله. مع أنه كان من أكثر المشايخ تعظيمًا لابن العربي، وهو من الغلاة في سعد الدين. وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين“. ثم قال في ص417: ”وكان قدماء الجهمية الذين ينكرون أن يكون الله فوقَ عرشه يقولون: إنه بذاته في كلّ مكانٍ، وإنه حالٌ في كل مكانٍ، وهو رأيَ طائفةٍ من متصوفة الجهمية مثل الديلمي ونحوه، وأما علماء الجهمية وفضلاؤهم فلا يصفونه إلاّ بالسلب، ليس داخلَ العالم ولا خارجَ العالم، ولا هو فوقَ العرش ولا في العالم ونحو ذلك. وكان السلف وأئمة الدين يعلمون أن هذا القول يستلزم نفيَ ذاته، ويقولون: إنما يدورون على التعطيل. وهذا هو الذي أوقعَ هؤلاء الملاحدة الاتحادية في زعمهم أنه هو هذا الوجود، فإن العابد لا يَقدِر أن يَعبُد إلاّ شيئًا موجودًا، فإن الإرادة والقصد لا يتعلق بمعدوم، بخلاف الوصف والكلام، فإنه يتعلق بموجود وبمعدوم. فالمتكلمون بالنفي إذا لم يُثبتوا وجودًا تكون قلوبهم خالية من تحقيق العبادة، لأن ذلك ليس هو مطلوبهم ومقصودهم، ولهذا يَغلِب عليهم القسوة والإعراض عن العبادة لله ولغيره، وأما أهل الإرادة والعبادة من الصوفية والعامة ونحوهم إذا لم يتوجهوا بقلوبهم إلى رب العالمين الذي وصفتْه رسلُه لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (1)، الذي هو فوق السماوات، فلابُدَّ أن تتعلق قلوبهم بموجودٍ ما، فتارةً يتعلقون بأنه بذاته في كلّ مكان، وتارةً تتعلق بحلوله أو اتحادِه ببعض الأشخاص كالمسيح وعُزَير وغير ذلك، وتارةً يتعلقون بعبادة الملائكة أو الكواكب والأصنام ليتقربوا بها إليه، فإنه لابُدَّ للقلب من صَمَد يُقْصَد إليه بالعبادة حق موجودٍ. والصفات السلبية لا يتعلق بها القلبُ ولا يطمئن، فإنّ قصدَ العدم كعدمِ القصد، وعبادة المعدوم كعدمِ العبادة. فهذا الجهل والضلال بصفات ربّهم هي التي أوقعتْهم في عبادة ما سواه. ثم إنه يحصل من أحدهم توجُّهٌ إلى الله وعباد له، فيشهد بقلبه الوجود القائم بأمره، ويرى أن حكم الله وسلطانَه سارِي في جميع الكائنات، فيعتقد أن ذلك هو الله الخالق، مثل من رأى شعاع الشمس فاعتقد أنه رأى الشمس وإنما رأى أثرها“. = = أقول: هذا النص نفيس جداً من كلام الشيخ وهو يبين لنا سبب انتشار القبورية ووحدة الوجود في المعطلة فيقول لك: أنهم لما عطلوا وجود الله بقولهم (لا داخل العالم ولا خارجه)، ثم هم نفوا أفعاله الاختيارية وكلامه بحجة تنزيهه عن الحدوث فما بقي سوى مفعولاته وهي المخلوقات وفيهم فطرة عبودية فظنوها عين ذاته أو تعلقوا بالأولياء والمقبورين وصرفوا لهم الرغبة والرهبة، وما قاله ابن تيمية نبه عليه السلف قال البخاري في خلق أفعال العباد : "وقال محمد بن يوسف: من قال إن الله ليس على عرشه فهو كافر، ومن زعم إن الله لم يكلم موسى فهو كافر ". وقيل لمحمد بن يوسف: " أدركت الناس، فهل سمعت أحدا يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: الشيطان يكلم بهذا، من يكلم بهذا فهو جهمي، والجهمي كافر " وحدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله، حدثني محمد بن قدامة السلال الأنصاري، قال: سمعت وكيعا يقول: " لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل". تأمل كلام محمد بن يوسف شيخ البخاري وكيف أن السلف قبل ظهور ابن عربي ومقالته الإلحادية بقرون توقعوا أن ينتهي الأمر بالجهمية إلى مقالة صريحة المناقضة جداً للوحي وأنها فيها من البلاء ما هو أشد من كفر اليهود والنصارى! الأشعرية الذين يذمون ابن عربي وكذلك الإمامية الذين يذمونه يوافقون الشيخ على أن مقالته أشر من مقالة اليهود والنصارى ولكن الشيخ يقول لهم أن عقيدتكم في الصفات خطيرة جداً وهي تمهد لمقالة الرجل، وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يربط فيها الشيخ بين عقيدة ابن عربي وعقيدة الأشعرية المتأخرين (لا داخل العالم ولا خارجه). حيث قال شيخ الإسلام كما في جامع المسائل تحقيق محمد عزيز شمس المجموعة الثامنة ص137: "فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدتهم يعبدون كل شيء.في مبدأ دولة التتار « ابن الخطيب » متكلم المعطلة الجهمية والزنادقة. و« ابن العربي » متصوفهم وعارفهم فاتفقا على جحد رب العالمين الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل واختلفا بعد ذلك. فالأول: أثبت العالم؛ لكن بالكلام الباطل. والثاني: أثبت العالم، لكن بالعقل الفاسد. فتدبر هذا واجمعه مع ما قدمته من القواعد يتبين لك الأمر. والله أعلم" —ويقول في النبوات: "[والذين] سلكوا خلف أبي حامد _ يعني الغزالي _، أو ضاهوه في السلوك؛ كابن سبعين، وابن عربي، صرّحوا بحقيقة ما وصلوا إليه، وهو أنّ الوجود واحد، وعلموا أنّ أبا حامد لا يُوافقهم على هذا، فاستضعفوه، و [نسبوه] إلى أنّه مقيّد بالشرع والعقل. وأبو حامد بين علماء المسلمين، وبين علماء الفلاسفة. علماء المسلمين يذمّونه على ما شارك فيه الفلاسفة ممّا يُخالف دين الإسلام. والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ [منه] بالكليّة إلى قول الفلاسفة " —ويقول محقق النبوات عبد العزيز بن صالح الطويان: "وشيخ الإسلام رحمه الله يرى أنّ ابن عربيّ، وابن سبعين؛ من أئمة ملاحدة الصوفيّة تأثّروا بكلام الغزالي، وبنوا أفكارهم على أصله الفاسد. انظر: من كتبه: كتاب الصفدية 1230-244. وجامع الرسائل 1163-164. ودرء تعارض العقل والنقل 6241، 10283" أقول: واليوم ترى شيخ الأحباش الأشاعرة جميل حليم ينسب الجفري للكلام بالكفر لما تكلم ببعض كلام أصحاب ابن عربي ، ومن يعرف حضرات الصوفية في سوريا والعراق يعلم أنهم يصرحون أحياناً عديدة بمدح ابن عربي وابن الفارض بل والحلاج، وهذا مما يبين أن القوم بينهم خلاف شديد جداً في قضايا كبيرة مما يبدد أسطورة السواد الأعظم على أنهم أصلاً قلة في الأمة بسبب عقيدتهم في العلو التي دائماً يعترفون بقلة من يعتقدها في عموم بني آدم فضلاً عن المسلمين، وإذا علمت أن ابن تيمية عنده ارتباط ذهني بين تقريرات متأخري الأشاعرة وانتشار القبورية ووحدة الوجود التي هي أكفر الكفر تعلم سبب انشغاله كل هذا العمر في نقد كلامهم. وتعلم أن انتشار تعظيم ابن عربي فيهم في هذا الزمان حتى دافعوا عنه بهجر من القول مما يؤكد مقالة الشيخ وأنه حقا -يعني ابن عربي - يطرد أصولهم لهذا يلينون معه. ومن يدعو لعدم ذكر هذه الأمور أمام العامة على قاعدة (إلجام العوام عن علم الكلام ) فيقال له أهل السنة لا يدعون الناس لخلاف الفطرة وظواهر الكتاب والسنة وذلك لا يسبب فتنة أبداً وقد علمت خطورة تسلل هذه العقائد بين الناس وأنها إلحاد مقنع ولها دعاتها المشاهير أو المتأثرون ببعض فروعها مما جعل بعض الأشاعرة يقومون عليهم فضلاً عن أهل السنة، ومن يريد علاج مشكلة يعالجها من جذورها.