باب ما جاء في مراعاة السياق
باب ما جاء في مراعاة السياق
قال الدينوري في المجالسة وجواهر العلم: "663 - نا إسحاق بن ميمون، نا الحميدي؛ قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: قال محمد بن كعب القرظي: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبه. قال: ثم التفت الفضيل إلينا، فقال: ربما قال الرجل: لا إله إلا الله؛ فأخشى عليه النار. قيل: وكيف ذاك؟! قال: يُغتاب بين يديه رجل، فيعجبه، فيقول: لا إله إلا الله، وليس هذا موضعها؛ إنما هذا موضع أن ينصح له في نفسه، ويقول له: اتق الله".
أقول: الدينوري صاحب المجالسة فيه كلام شديد وقد دافع عنه بعضهم، والأثر مقطوع ومعناه سليم فلا يُوقف كثيرًا عند هذا.
الفضيل بن عياض يقول بأن الرجل ربما قال "لا إله إلا الله" وهي أعظم كلمة يتكلم بها العبد، فيخشى الفضيل عليه النار.
فكيف هذا؟ كيف تكون هذه الكلمة العظيمة سببًا في دخول النار؟
فيقال: قد بيَّن الفضيل ذلك، أن الأمر عائد إلى السياق، كأن يغتاب شخص شخصًا بين يديك فبدلًا من أن تقول له: اتق الله تقول: لا إله إلا الله، كالمصدِّق للمغتاب.
وهذا نظير قراءة القرآن في الركوع أو السجود وقد نُهي عن هذا، ونظير الأذان للعيدين والصلاة للحائض، فهذا كله منهي عنه عند عامة العلماء ويأثم المرء فيه ولا يؤجر، مع أن الفاعل قد قرأ قرآنًا أو أذَّن أو صلَّى وهذه كلها من أجلِّ الطاعات ولكن لمَّا كان سياقها منهيًّا عنه صار فِعلها إثمًا.
ومثل هذا الذي يحمد الله على المعاصي كما يحصل من الممثلين والمطربين فيقول: الحمد لله وفقني في هذه الأغنية. أو يقول بعضهم: ما شاء الله على هذه الممثلة أو هذا المخرج. هذا كله محل إثم.
هذه قاعدة مهمة ينبغي الانتباه لها: فأنت قد تسرد فضائل علي بن أبي طالب وأهل البيت وذلك من أجلِّ القربات ولكنك إن سردتها تملُّقًا لرافضةٍ غلاةٍ ولا تسرد لهم فضائل الصحابة وتنهاهم عن الغلو في أهل البيت فإن فعلك هذا إلى الإثم أقرب، مع أنك ما قلت إلا حقًّا ولكن تأمل في السياق.
وهكذا إن جئت إلى قوم متأثرين بالليبرالية وتأثروا بقولهم (أنت حر ما لم تضر) ولهذا يستثقلون الأوامر والنواهي التي لا يرون فيها ضررًا مباشرًا فحدثتهم عن التشديد وأنه لا يجوز تحريم الحلال، فهذا كله كلام حق ولكنك إن حدَّثت به هؤلاء المرضى دون أن تحدثهم عن عظيم حق الله عز وجل وأن المرء لا ينظر إلى صغر المعصية بل إلى عظمة مَن عصى وأن تتبع الرخص من علامات رقة الدين بل هو الزندقة وأن هناك شيئًا اسمه اتقاء الشبهات والاحتياط وأن تحليل الحرام أيضًا سيُسأل عنه المرء، إن لم توضح هذا كنت إلى الإثم أقرب لأن صنيعك إلى المداهنة أقرب.
وكذلك قوم يستهينون بالولاء والبراء العقدي حصرًا للمصالح بالأمور الدنيوية السياسية والاقتصادية والاجتماعية فكلُّ تكفير عندهم باطل استهانةً بأمر الدين، وكذلك التبديع والتفسيق لأنهم لا يرون للدين مقامًا، فهذه التصنيفات الدينية مرفوضة من الأساس وإنما التصنيفات عندهم تكون على الدنيا، فيوجد عندهم شريف عفيف لا يسرق وفاسق سارق ومحترم لا يتحرش وسيئ متحرش، وأما فلان ضال لأنه لا يعتقد العقيدة الصحيحة في القدر أو الإيمان أو الصفات أو الصحابة فهذا عندهم لا يكون، فضلًا على أن يترتب على هذا التضليل عقوبات أو تعزيرات فهذا أشدُّ عليهم.
فتأتي لهؤلاء فتتحدث في ذم التكفير والتبديع والتفسيق، وكل ذلك حق إن قصدت ذمَّ الغلو في التكفير والغلو في التبديع والغلو في التفسيق، ولكنك ما لم تفصِل الممارسات الصحيحة من الغلو وتبيِّن لهم أن المرجعية للسلف وأن مجرد اختيار العالم قولًا شديدًا ولو في مسألة خلافية لا يبيح لكم رميَه بالغلو احتكامًا لأصولكم التي ترى مطلق الأحكام غلوًّا، وأن الخلل في حق الله عز وجل أعظم من الخلل في حق المخلوق إن سلم به {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
إن لم توضح ذلك فأنت إلى المداهنة أقرب.
وقد رأيت رجلًا كان شيعيًّا ثم ترك التشيع بصورته التقليدية وصار ينكر عليهم الشرك، وضَعَ خلفه لوحةً كتب عليها (لست وهابيًّا تكفيريًّا ولكنني أدعو إلى التوحيد).
فقلت في نفسي: ما دمت تدعو للتوحيد فمن يقابلك يدعو للشرك، وأنت تصِف ممارسات الشيعة بأنها شركية وتخالف القرآن، فما حكم فاعل الشرك المخالِف للقرآن؟
ولو توسَّعتَ في عذره فماذا بعد أن تنصحه وتبيّن له؟ وأنت ما دعوت للتوحيد إلا وأنت تعتقد أن الحق يمكن بيانُه كما استبان لك وقد نشأت على هذا الشرك.
فماذا لو حكم أحدٌ على هؤلاء الواقعين بالشرك (باعترافك) بحكم لا يعجبك؟ أليس الذنب عليهم أن تورطوا بممارسات تخالف القرآن والسنة فعلام تسبُّ من يحكم عليهم بظاهر أفعالهم؟
فذمُّه هنا للتكفير لا يمكن أن يُحمل على التكفير الباطل وإنما يَقصد تكفير الواقعين في الشرك الأكبر المخالف للقرآن، فيَجعلُ هذا له حرمةً كحرمة المسلم الموحد صاحب المعاصي، فهنا السياق يُظهِر عظيمَ الخلل.