كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

باب في حذق المفتي..

المصدر
باب في حذق المفتي.. أرسل لي أحد الأخوة هذا الكلام الحسن: «وقول السائل وغيره: هل هو [أي السماع] حلال؟ أو حرام؟ لفظ مجمل فيه تلبيس يشتبه الحكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه؛ وذلك أن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين: أحدهما أنه هل هو محرم؟ أو غير محرم؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها. مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله. والنوع الثاني أن يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب وتجريد حب العباد لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم وأن تحرك من القلوب الخشية والإنابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو من جنس العبادات والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات. فيجب الفرق بين سماع المتقربين وسماع المتلعبين وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس والأفراح ونحو ذلك من العادات وبين السماع الذي يفعل لصلاح القلوب والتقرب إلى رب السموات فإن هذا يسأل عنه: هل هو قربة وطاعة؟ وهل هو طريق إلى الله؟ وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم وتحريك وجدهم لمحبوبهم وتزكية نفوسهم وإزالة القسوة عن قلوبهم ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع؟ كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة والطاعة لا على وجه اللهو واللعب». [مجموع الفتاوى: ٦٣٠/١١] وهذا من جنس كلام كثير من الناس اليوم عن "عمل المرأة" أهو حلال أم حرام، مع أن مرادهم الأساسي ليس مطلق الإباحة بل معاملته "كحق طبيعي" للمرأة، بحيث تُمدح من تقوم به وتذم أو تلام من تتركه، أو يعتبر هذا منها تفضلاً. أقول: قد أحسن صاحبي فيها تعليقاً على كلام شيخ الإسلام. ومثل ما ذكر كلامهم على موضوع (اللحية) فيأتي السؤال (حل حلقها حرام أم حلال) وواقع البحث أن كثيراً من الناس يعتبر حلقها (نظافة) وكثيرون يعتبرون إيجاب إطلاقها تشدداً، مع أنه قول عامة العلماء، وادعي عليه الإجماع، وخالف جماعة من الشافعية، ولكنهم لا ينازعون في أن تركها هو الأفضل. حتى كتب بعض الأزهريين يقول أن اللحية ليست شرطاً في الإسلام! ومن قال أن حالق اللحية كافرا، وإنما البحث في وجوب التربية من عدمه، وقال أن تربية العقل أهم من تربية الذقن! ومن الذي فرض المفاضلة أصلاً؟ الحالق هو الذي يفعل أمراً زائداً ويلزم نفسه به، وأما التارك فهو يدع لحيته ويكون أكثر فراغاً ممن يتحرى الحلق، وماذا لو ترك حلق شعر عانته أو نتف الإبط وقال الأهم حلق الجهل ونتف التخلف! العجيب أن هذا ومثله يفرضون أنفسهم على الناس على أنهم حماة المذهبية والتراث أمام السلفيين (ويعنون بذلك تراث جماعة من المتأخرين حصراً) ثم يقولون كلاماً إنما يتسق مع المزاج الليبرالي لا علاقة لمتشرع به من أي مدرسة علمية كانت. ثم تجده يبحث بسطحية دون النظر لكون الناس يتحرون التشبه بالكفار، ويتحرون أن يكونوا على هيئة محايدة لا تظهر عقيدتهم، وأن الإعلام يحترم هيئة الكاهن النصراني مع لحيته الكثة، ويسعى بشكل مستمر للربط بين هيئة المسلم الملتحي والجهل وسوء الأخلاق. ومثل هذا يقال في أمر النقاب والسخرية منه، ثم تركيز بعض المفتين على حرب تشدد القائلين بالوجوب دون النظر للواقع، وأن كثيرين ينظرون له نظرة احتقار أو إساءة، وأن كثيراً ممن ينزعن النقاب يفعلن ذلك تحت ضغط نظرات القوم وأساليبهم في السخرية والإهانة، ثم تذهب تبرر ضعفها برخصة من هنا أو هناك، ثم ما تلبث أن تبحث عن رخص جديدة تتعلق بأمر الزينة! والأمر نفسه يقال مع موضوع (خدمة الزوجة لزوجها) فبحث الفقهاء هل هو مستحب أو واجب، بمعنى أنه حال فاضلة على الدوام، ولكن الكثير ممن يبحث عن الفتيا بعدم الوجوب هو متأثر بنفس احتقاني واستحقاقية ونفس مساواتي، واعتقاد أن الرجل ليس له حقوق على زوجته، وأن مجرد وجود حقوق له عليها يعني ظلمها وهضمها! وكأنه ما دفع مهراً ولا ألزم بنفقة، وكأن في الخدمة ضرراً ظاهراً عليها!