=
=
وإليك النقل الثاني:
قال ابن تيمية في درء التعارض: "ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع".
وقال أيضًا وهو يتكلم عن صفة العلو في الدرء: "ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين، والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس".
هما نقلان ولكنني سأعاملهما معاملة مثال واحد.
هنا ابن تيمية حين ينقل "التكفير"، هل كلامه يناقض كلامه الآخر في وجود عذر لبعض الجهمية؟
الجواب: نعم يعتبر كلامه مناقضًا لذاك وفقًا لعرف المعاصرين الذين يزعمون أن العالم لا يقال عنه "يكفِّر" حتى يكفِّر كل أعيان المخالفين، وإلا فإنه "لا يكفر"، وقد علمت أن هذا العرف خطأ علمي وما كان يسير عليه أهل العلم قديمًا، خصوصًا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وغالب كلام الناس اليوم في أن ابن تيمية "لا يكفر الفرقة الفلانية" مبني على هذا العرف الخاطئ، والذي ما كان ابن تيمية شخصيًّا يعتبره.
وتأمَّل كلام ابن تيمية وكيف أنه ينطبق على عامة الفرق الكلامية، وهو أصلًا كان يورد هذا الكلام ردًّا على المتأخرين من القوم الذين عاصروه.
النقل الثالث:
قال ابن القيم كما في مختصر الصواعق المرسلة في معرض نقده لقول الأشاعرة في القرآن: فتأمَّل هذه الأخوَّة التي بين هؤلاء وبين المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل، فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام الله، وإنه مخلوق.
أقول: ابن القيم ينقل الاتفاق على تكفير المعتزلة، لو رجعت للنصوص التي بنى عليها هذا الاتفاق ستجد أن عامتها لا يُذكر فيه اسم المعتزلة صراحة، بل يقال: من قال القرآن مخلوق فهو كذا وكذا.
ومعلوم أن المعتزلة يقولون بهذا القول، والأمر نفسه ينطبق على أي فرقة كلامية وافقت الجهمية الذين كفَّرهم السلف بالقول بإنكار الكلام الحقيقي لله أو علوه سبحانه على خلقه، وإنكار مثل ذلك مكابرة فجَّة.
وبقي التنبيه على أمر وهو أن بعض الناس تأثُّرًا بهذا العرف الخطأ يقول: تكفير أقوال وتكفير أعيان.
ظنًّا منهم أنه يوجد تكفير أكبر للأقوال دون أن يكفر أي معين لا عالم ولا جاهل، وهذا قول سوفسطائي ما قال به عالم قطّ، يشبه أن يقال هذا واجب ولكنه ما وجب على أحد قطّ، وهذا لا يكون إلا مع القول باستحالة قيام الحجة، وهذا من أصول القائلين بتكافؤ الأدلة وهو أشهر أقوال السوفسطائية.
وبعد ما سبق تفهم أن كثيرًا من الناس هو مكفِّر لأنه يكفِّر المقالة ويكفِّر بعض الأفراد بعد قيام الحجة، ويعدُّونه من غير المكفِّرين لمجرد أنه لا يوافق على تكفير كل الأعيان (والخلاف فرعي بينه وبين من يكفر كل الأعيان، بل مقالته أقرب لمقالة من يكفر كل الأعيان من مقالة من لا يكفِّر). وبعض المعاصرين ممن يُنكِر على "من يكفر"، مقالتُه تعتبر تكفيرًا في عرف العلماء القديم، ولكن زماننا هذا فيه عجائب.