كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

رأي ابن تيمية في التعاون مع أهل الكلام ضد الملاحدة..

المصدر
رأي ابن تيمية في التعاون مع أهل الكلام ضد الملاحدة.. هناك أطروحة فاشية في هذا الزمان تدعو إلى تناسي الخلافيات بين أهل الكلام (معتزلة وأشعرية) وأهل الحديث (والذين اشتهر تسميتهم في هذا الزمان بالسلفية) والاجتماع ضد الملاحدة، غير أن هذه الدعوة أصحابها لا يفهمون حقيقة الخلاف بين هؤلاء وكيف بدأ الخلاف.. أصل الخلاف بين أهل الكلام وأهل الحديث فيما يذهب إليه ابن تيمية: حينما جاء أهل الكلام يردون على الدهرية سواءً المنكرين للخالق أو القائلين بقدم العالم وعدم خلقه، كانت طريقة أهل الكلام في الرد عليهم فاسدة والتزموا من خلالها مناقضة ظواهر القرآن والسنة مع كون طريقتهم في نفسها لا تفي بالغرض وفيها عيوب شديدة سلطت عليهم الأعداء. فيطرح الشيخ أن الطريقة الصحيحة للرد على هؤلاء موجودة في النصوص(بمعنى أن النصوص تتضمن أدلة عقلية، لا أننا نستدل على الخصوم بالنصوص مجردة) وأن طريقة أهل الكلام جعلتهم غير مؤمنين بالنصوص كما ينبغي وما كسرت عدوهم من الدهرية وهذا يلخصه بعبارته المشهورة ”لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا“. بناءاً على هذه الأطروحة كلما فشا الإلحاد ورد المتكلمون بطريقتهم، تعين على أهل الحديث الرد على الفريقين معاً فانتشار الإلحاد معناه تعرض الكثير من العامة لطرق المتكلمين في الرد عليهم فهذا يوطد الرد على الفريقين لا السكوت عن فريق على حساب الآخر. ومن هنا يعلم أن وجود فريق لا يؤمن بالله ورسوله يرد عليه عدة فرقاء منتسبين للملة بطرق مختلفة أمر ليس جديداً على أهل الملة فالأمر ليس ”نازلة“كما يصوره البعض.. وهنا سأذكر بعض نصوص الشيخ التي يقرر فيها هذا المعنى: قال ابن تيمية في شرح الأصبهانية ص112: «والجهمية وغيرهم أثبتوا الصانع بطريقة الاستدلال بحدوث الأجسام، وأنها لا تخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبنوا على ذلك نفي صفات الرب تعالى وأنه لو قامت به الصفات والأفعال للزم أن يكون محدثاً وقالوا عن التوحيد أن يجعل القديم شيئاً واحداً فلا تثبت له صفة قديمة لأن إثبات صفة للقديم يوجد تعدد القدماء». ثم قال: «ومن المعلوم لكل من عرف ما جاءت به الرسل أن التوحيد الذي أرسل به رسله وأنزله في كتبه لم يتضمن نفي صفات الله بل الكتب الإلهية مملوءة بإثبات الصفات». ويقول في درء تعارض العقل والنقل (4/45): «والمنازعون في هذا من أهل الحديث والكلام والفلسفة يقولون إن هذا جحد للضرورة وإن هذا يقدح فيما به أثبتوا وجود الصانع فإنهم أثبتوا الصانع بأن ترجيح أحد المتساويين لا بد له من مرجح، وقد عرف كلام الناس في هذا المقام». وهذا المعنى كرره في عدد من مؤلفاته: أن ردنا على الملاحدة مبني على أن الأشياء لا تحدث بدون سبب وأنه لا بد من مرجح يرجح وجودها على عدمه (إرادة الخالق). وأهل الكلام الذين نفوا أفعال الله الاختيارية وجعلوا أفعاله مفعولاته وهربوا مما يسمونه إثبات حوادث لا أول لها زعموا أن الله عز وجل لم يكن قادراً على الفعل ثم فعل (والفعل عندهم المفعول) انتقل من الامتناع إلى الجواز بدون مرجح (والمرجح ثبوت الفعل الاختياري الذي ينفونه ولو ثبتت الأفعال الاختيارية فلا امتناع وبما أن الله أول لا بداية له ويفعل ما شاء متى شاء فلا يمكن أن يقال في فعل معين له هذا أول أفعاله على الإطلاق هذا المعنى يجحده أهل الكلام ويسمونه إثبات حوادث لا أول لها). وقال في شرح الأصبهانية ص156 متكلماً عن طريقتهم في إثبات حدوث العالم: «وجمهور الناس أنكروا عليهم إيجاب هذه الطريق ودعواهم لا سبيل إلى معرفة الله إلا بها لظهور فساد ذلك في شريعة الإسلام لكن من هؤلاء من سلم صحتها ولكن رآها طويلة كثيرة الشبهات وأما أئمة الإسلام والسنة فرأوها طريقة فاسدة في العقل كما هي بدعة في الشرع وأنها إلى نفي حدوث العالم وعدم الدلالة على الصانع أقرب منها إلى إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع». أقول: وهذا في الحقيقة يتكرر في ملفات الرد على العالمانية والنسوية والإنسانوية والعلموية.. فكثيراً ما يتصدر للرد على هؤلاء متأثر بأصولهم قوله إلى إثبات قولهم أقرب منه إلى إثبات الشرع. ثم قال الشيخ: «وأئمة الذين سلكوا هذا الطريق يقولون لا علم لنا إلى العلم بحدوث العالم والرد على الدهرية إلا من جهتها كقول أئمتها مثل الجهم وأبي الهذيل والنظام ومن تبعهم وهم مع هذا لا للإسلام نصروا ولا للدهرية كسروا فإن الدهرية القائلين بقدم الأفلاك استطالوا عليهم بهذا الطريق» ثم سرد أسماء الفلاسفة .. ثم قال: «وقالوا إثبات ذات كانت معطلة عن الكلام والفعل ثم حدث عنها الفعل بلا سبب معلوم الفساد بصريح العقل». =