كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وقال الشيخ أيضًا كما في مجموع الفتاوى: "فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات، وصار خطؤهم من أكبر أسباب تسلُّط الفلاسفة، لمَّا ظَنَّ أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قولُ أولئك المتكلمين وقولُهم. وقد رأوا أن قول أولئك باطل، فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقِدم الأفلاك حجة عقلية أصلًا، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث اللهُ به رسولَه صلى الله عليه وسلم" ونصوص الشيخ في هذا لا تدخل في الحصر، هي كثيرة جدًّا، ويكرِّر هذا المعنى في كل مناسبة تعرض، ومع ذلك تجد كثيرًا من الباحثين يكرِّرون "ابن تيمية أثنى على ردود الأشعرية على الفلاسفة". وهذا قول لنصف الحقيقة (وذلك أخبث الكذب)، بل عبارة "لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا" قالها الشيخ في هذه المناسبة أصلًا، فهو يقول بكل وضوح أنهم ما كسروا الفلاسفة بل سلَّطوهم. والشيخ كثيرًا ما يربِط بين المتكلمين وبين أصحاب وحدة الوجود والفلاسفة والقبورية، ويبيِّن كيف أن مقالات المتكلمين مهَّدت لكل ذلك. بل الشيخ يربط بين تسلُّط التتر ومقالات المتكلمين! قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: "وكذلك المتكلمون المخلطون الذين يكونون تارة مع المسلمين -وإن كانوا مبتدعين- وتارة مع الفلاسفة الصابئين. وتارة مع الكفار المشركين. وتارة يُقابلون بين الطوائف وينتظرون لمن تكون الدائرة. وتارة يتحيَّرون بين الطوائف. وهذه الطائفة الأخيرة قد كثُرت في كثير ممن انتسب إلى الإسلام من العلماء والأمراء وغيرهم، لا سيما لما ظهر المشركون من الترك على أرض الإسلام بالمشرق في أثناء المائة السابعة. وكان كثير ممن ينتسب إلى الإسلام فيه من النفاق والردة ما أوجب تسليط المشركين وأهل الكتاب على بلاد المسلمين. فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار للعلم. وهذان هما مقدِّمتا الزندقة كما قدمناه. ثم يَعتمد فيما أقرَّ به من أمور الإسلام على ما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام مثل العبادات والمحرَّمات الظاهرة وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد -بعد الاطلاع على التفاسير والأحاديث- يجعل العلم بذلك مستفادًا من أمور كثيرة؛ فلا يعطل تعطيل الفلاسفة الصابئين ولا يقر إقرار الحنفاء المؤمنين". ومعلوم كلام الشيخ في الرد على البكري أن الاستغاثة بالأولياء سبب للهزيمة أمام التتر. وما قاله الشيخ عن أهل الكلام والفلاسفة ينطبق تمامًا على العالمانية المتوسطة المنتسبة للملة، والتي تقف أمام العالمانية الغالية، فإن أصحاب العالمانية الغالية تسلَّطوا على أصحاب المتوسطة لما أقرَّ لهم الأخيرون بأصل مركزية الإنسان وحتمية النموذج المدني واعتبار التفريق بين الناس على أساس دينهم وعقيدتهم فسادًا وظلمًا، على تفاوتٍ بين أصحاب العالمانية المتوسطة في تطبيق هذه المعاني. غير أن الذي أريد أن أقوله أنَّ الحرصَ على (تشذيبِ) تراث ابن تيمية وإبرازِ جزء دون جزء واختزالِ الكثير من مواقفه عمليَّةٌ غير أخلاقية، خصوصًا إذا كانت خدمةً لمشروع ربما لو كان الشيخ حيًّا ما وافق عليه بكل تفاصيله، هذا استخدام لاسم الشيخ وليست (قراءة علمية جادة) لكلامه. جاء في الأعلام العلية من مناقب ابن تيمية: "ولقد أكثر -رضي الله عنه- التصنيفَ في الأصول فضلًا عن غيره من بقية العلوم. فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء. فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، ومن قلَّد -المسلم- فيها أحدَ العلماء المقلدين جاز له العمل بقوله ما لم يتيقَّن خطأه، وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء: كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة والقائلين بوحدة الوجود والدهرية والقدرية والنصيرية والجهمية والحلولية والمعطلة والمجسمة والمشبهة والراوندية والكلابية والسليمية وغيرهم من أهل البدع، قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرًا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العليَّة على كل دين. وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قلَّ أن سمعتُ أو رأيتُ مُعرضًا عن الكتاب والسنة مُقبِلًا على مقالاتهم إلا وقد تزندَق أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويُزيفَ دلائلهم، ذبًّا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجلية. ولا والله ما رأيت فيهم أحدًا ممن صنَّف في هذا الشأن وادَّعى علوم المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام". أقول: وهذا الكلام مهم غاية، فيه أن الشيخ يرى أن الردَّ على الملاحدة وأهل الكلام بابٌ واحدٌ أصلًا، بل هو أَجَّل مشروعَ تصنيف كتاب فقهي لأجل الرد عليهم، ويرى تصانيف المتكلمين مساهِمةً في هدم أصل الدين. = = وقال الشيخ في النبوات رابطًا بين طريقة ابن عربي وما أرساه الغزالي: "والذين سلكوا خلف أبي حامد، أو ضاهوه في السلوك، كابن سبعين، وابن عربي، صرَّحوا بحقيقةِ ما وصلوا إليه، وهو أن الوجود واحد، وعلِموا أن أبا حامد لا يوافقهم على هذا، فاستضعفوه، ونسبوه إلى أنه مقيد بالشرع والعقل. وأبو حامد بين علماء المسلمين وبين علماء الفلاسفة، علماء المسلمين يذمُّونه على ما شارك فيه الفلاسفة مما يُخالِف دين الإسلام. والفلاسفة يعيِّبونه على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ منه بالكلية إلى قول الفلاسفة". ثم سرد الشيخ كلام الناس فيه، ثم قال: "ولهذا لمَّا سلك خلفه ابن عربي وابن سبعين، كان  ابن سبعين في كتاب "البد" وغيره، يجعل الغاية هو المقرب؛ وهو نظير المقرب في كلام أبي حامد، ويجعل المراتب خمسة: أدناها الفقيه، ثم المتكلم، ثم الفيلسوف، ثم الصوفي الفيلسوف؛ وهو السالك، ثم المحقق. وابن عربي له أربع عقائد: الأولى: عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجردة عن حجة. والثانية: تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلامية. والثالثة: عقيدة الفلاسفة؛ ابن سينا وأمثاله الذين يفرِّقون بين الواجب والممكن. والرابعة: التحقيق الذي وصل إليه؛ وهو أن الوجود واحد. وهؤلاء يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان العمل؛ وهو: أن الفاضل له ثلاث عقائد: عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا؛ كالفقه مثلا. وعقيدة مع الطلبة يدرِّسها لهم؛ كالكلام. والثالثة: سر لا يطَّلع عليه أحد إلا الخواص". أقول: واليوم طريقة ابن عربي ينتهجها عبد الكريم شروس الشيعي، ويجعلها بابًا للدعوة للعالمانية، وتبِعه على ذلك فئام كثير حتى من المعمَّمين.