{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِم
{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }
قال ابن القيم :
فأمر الله سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا , بفضله وبرحمته ( يعني بالإيمان والهداية )
وقد دارت عبارات السلف على أن الفضل والرحمة هو :
العلم , والإيمان , والقرآن , واتباع الرسول
قال : وهذا من أعظم الرحمة التي يرحم الله بها من يشاء من عباده
فإن : الأمن , والعافية , والسرور , ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته , مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة
والخوف , والهم , والغم , والبلاء , والألم , والقلق , مع الضلال , والحيرة...
[ إغاثة اللهفان 2 / 912 ]
أقول : هذا المعنى الذي بيَّنته الآية وعلق عليه ابن القيم مجحودٌ في واقع الكثيرين من المنتسبين للملة
خصوصا قوله تعالى : ( هو خيرٌ مما يجمعون )
فكثيرٌ من الناس وكأنه لا يعتقد أن الإيمان الصحيح والعمل الصالح خير من كل حطام الدنيا فتجده يعظم الكفار لأن عندهم شيئاً من الدنيا وينفخ في ذلك
ويستهين بالإيمان والعلم الصحيح والعمل الصالح بل بعضهم يكفُر وبعضهم يعدُّ ذلك شبهة على أهل الإيمان
مع أن الآية بيِّنة ( هو خير مما يجمعون ) فإنْ ذهب شخص بالمفضول فلِمَ يأسى مَن ذهب بالفاضل ومَن جمع بين الأمرين تم أمره وليس ذلك لكلِّ أحد فمِن الناس مَن لا يصلُح إلا على الابتلاء ومنهم مَن الدنيا صغيرة في عينه فلا يأسى على شيء فاته منها ولو أنعم الله عليه به جعله في طاعة والتذَّ به تمام الالتذاذ لذة لا تنغَّص بمعصية تفقِدك من الآخرة الباقية أكثر مما حصَّلتَ مِن الدنيا الفانية
وقد يقول قائل : هذا الطرح ربما يحمل الناس على ترك النافع من أمر الدنيا
فيقال : هذا وسواس لا طائل تحته فلو فرضنا أن هذا التوهم صحيح فلئن يوجد من يضحي بدنياه لأجل آخرته فذلك أحسن من الطرح الذي خرَّج لنا كثيرين يحتقرون الإيمان الصحيح في مقابل شيء من الدنيا عند الكفار مليء بالمنغِّصات
وعلى العكس الصحابة الذين طبَّقوا هذه النصوص كان لهم من التمكين الشيء العظيم بل إن الآثار بيَّنت أن الإفراط في حبِّ الدنيا هو باب الذل والصغار
ونحن نرى أثر هذا في كثيرٍ من الناس مِن شدة إيثار الدنيا في قلبه يكون إما في صفٍّ إباحي منحل يوفر له شيئاً من الدنيا أو في صفِّ ظالم طاغي وإما في صفِّ من جمَع بين الأمرين وإما ساكت عن بيان الحق ونصرة المستضعف بالمستطاع إيثاراً للعاجلة وكثير منهم يخادِع نفسه بإلقاء اللائمة على غيره وكأنه غير مكلَّف.