تنبيه دقيق لشيخ الإسلام حول معنى القلب
تنبيه دقيق لشيخ الإسلام حول معنى القلب
قال ابن تيمية في الرد على الشاذلي: "وكذلك القلب يراد به المُضْغة الصَّنَوْبَرية الشكل التي في الجسد مجرَّدةً والبهيمةُ لها قلبٌ بهذا المعنى.
ويراد به هذه المضغة مُقيَّدةً بالروح ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إنَّ في الجسد مُضْغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد ألا وهي القلب.
كما في الحديث الآخر إذا أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكفِّر اللسان أي تخضع له وتذل تقول له اتَّق الله فينا فإنك إذا استقمتَ استقمنا وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا.
وفي حديث آخر لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُهُ.
فاستقامة القلب واللسان تتضمن استقامة الروح والبدن جميعًا".
تأمل قوله (ويراد به هذه المضغة مقيدة بالروح) فهذا يحل لك إشكالات حيث يظن بعض الناس أن المؤمن إذا وضعت له قلب كافر فإنه سيكفر والعكس، إذ من يرى هذا يرى أن القلب هو فقط تلك البضعة الصنوبرية، غير أننا إن قيدنا الأمر بالروح صار مجرد تغيير هذه المضغة لا يغيِّر ما تعلق بالروح.
وهذا الزعم (أن مجرد تغيير القلب يقتضي تغيير العقائد) ضربٌ من الجبرية ونفيٌ لإرادة الإنسان إذ يعلق ذلك بعضو في بدنه إذا غُيِّرَ تغيَّر مصيره وأخلاقه وكل شيء.
والناس اليوم يهملون معنى تعلق الأعضاء بالروح، وذلك أن الروح معجوز عن رصدها بأدوات العلم التجريبي.
ولكن هذا لا يعني أنها غير متزمنة أو لا داخل العالم ولا خارجه أو أنها مجرد هواء كما يظن كثير من الناس، بل لها وجود حقيقي في الخارج وهي متصلة بالزمان والمكان، والعجز عن رصدها لا ينفي حقيقة وجودها، كما الأمر مع الملائكة والجن فكلها أجسام ولكن معجوز عن رصدها.
قال ابن تيمية في الرد على الشاذلي: "وأما لفظ الروح فقد يراد به الروح التي في الإنسان وهي النفس التي تُقبض وقت الموت ولفظ الروح والنفس بهذا الاعتبار اسمان لذات واحدة لكن باعتبار صفات متنوعة فتسمى روحًا باعتبار ونفسًا باعتبار وإن كانت الذات واحدة.
ومن هذا الباب أسماء الرسول وأسماء القرآن بل وأسماء الله الحسنى فإن هذه الأسماء تدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة وهذه الأسماء مترادفة في الذات متباينة في الصفات ويسميها بعضُ الناس المتكافئة وهي مَرْتبة بين المترادفة المَحْضة وبين المتباينة المَحْضة.
وقد يراد بلفظ الروح البخار الخارج من القلب وهو لغة الأطباء.
وقد يراد بلفظ الروح الهواء الذي يخرج من البدن وطائفة من الناس يظنون أن هذا الهواء هو الروح المنفوخة في الإنسان التي تُقْبض وقت الموت.
والصواب الذي عليه السلف والأئمة أن تلك الروح ليست هي البدن ولا جزءًا من البدن ولا صفةً من صفات البدن كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام ولا هي أيضًا مجردة عن الصفات الثبوتية والأفعال كما تزعم المتفلسفة الذين يقولون إنها لا تصعد ولا تنزل ولا تتحرك ولا تسكن ولا تدخل ولا تخرج ولا يتميز منها شيء عن شيء.
ويقول طائفة منهم كابن سينا إنها لا تُدرِك الجزئيات المعينة إلى غير ذلك من أقوال النُّفاة الذين قالوا فيها نظيرَ قولِهم في واجب الوجود فلم يصفوه إلا بالسُّلُوب حتى جعلوا الوجود الواجب الذي هو أحق الموجودات بالكمال الوجودي إنما يوصف بالسلوب".