معرفة الغاية من الخلق تطوح الشبهات وتصحِّح المقاصد
معرفة الغاية من الخلق تطوح الشبهات وتصحِّح المقاصد
عامة الشبهات والإشكالات تأتي من عدم فهم (الغائية)، وأن الدنيا بكل ما فيها إنما خُلقت ليَعبد الخلق ربَّهم ويتفاعلوا مع مظاهر كماله سبحانه، فكثير من الناس لا يفهمون هذا ويرون أن الدنيا وُجدت لنعيش فيها بشكل جيد وفقًا لمنظومات حقوقية، ولهذا يستشكلون الأحكام الشرعية التي تُعلي من شأن الدين وحق الله أكثر من حقوق البشر، مثل اعتبار تارك الصلاة شرًّا من السارق.
وهذا المعنى، أن (حق الله) في الإسلام هو أعظم من كل شيء وأن كل شيء يؤول إلى حقوق الله المحضة، هو أعظم براهين النبوة من وجهة نظري، وذلك أن الدين علامة كونه من الله وأنه ليس فلسفة إصلاحية تدثَّرت باسم الدين أن يكون حقُّ الله في هذا الدين أعظمَ من كل شيء.
وهذا المعنى ظاهر في النصوص لمن تأمَّله، خُذ مثلًا قوله تعالى: "الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ".
هذه الآية تدل على هذا المعنى بوضوح، إذ يعلل وجود تدافع بين الناس (يعني تصارع وحروب) بأنه لولا ذلك لهدمت البيوت التي يُذكر فيها اسم الله، فعُلِم أن ذكر اسم الله فيه مصلحة أعظم من كل مفاسد التدافع، وذلك أن غاية التدافع أنه يُعكِّر علينا شيئًا من الدنيا، والدنيا كلها إنما وُجدت ليَعبد الناس ربَّهم ويتواصلوا معه ويشاهدوا مظاهر كماله ويزدادوا كل يوم به علمًا وله قنوتًا، والغاية لا شك أعلى من الوسيلة.
واليوم الأمر معكوس، فالتدين مرفوض عندهم، ويسمونه تطرُّفًا، ويظنون أنه يُعكِّر عليهم منظومتهم الحديثة؛ فيقترحون قراءات جديدة للدين، قراءات لا تُحقِّق للناس سعادة بل تُلهيهم عن الغاية وتَعِدُهم الأماني العظام التي لا تتحقَّق، ولو فرضنا أنها تتحقَّق فهي لا تدوم، ولو فرضنا أنها تتحقَّق وتدوم في هذه الدنيا فهناك آخرة كيف النجاة فيها؟
عامة شبهات العالمانيين والملاحدة والحداثيين من المتدينين ومن تأثَّر بهم من العامة تُغفِل هذا الأصل (الغاية الحقيقية من الخلق) وهذا المعنى، بل وتفترض فساده مبدئيًّا، مع أن إفساد هذا الأصل لا يتم إلا بإبطال الدين من أساسه ودون ذلك خرط القتاد، ولكن لا يصلح أن تعترض على الدين بأمر لا يصحُّ إلا لو كان الدين باطلًا أساسًا، هذا تناقض.