ضعيفات ولكنهن مكلفات…
ضعيفات ولكنهن مكلفات…
من المشاهد والمفارقات العجيبة أنك تجد امرأة صالحة تحت رجل فاجر أو ظالم وتظهر العجز التام أمامه، وتجد امرأة أخرى فاجرة مع رجل صالح أو مؤدٍّ لحقوقها بالجملة ومع ذلك تجدها تنشز عليه ولا تترك وسيلة لأذيته والضغط عليه إلا وتفعلها وربما سعت لمفارقته مستفيدة من القوانين الحديثة دون ذنب يستوجب ذلك منه.
كثيرًا ما وقفت أمام هذين المشهدين متمنيًا لو كانت الأولى عندها نصف قوة الثانية، أو تكون الثانية باستسلام الأولى.
ومن باب توضيح الواضحات الذي نحتاج إليه عند الحديث في قضايا الأنثى: ليست كل النساء من النموذجين المشار إليهما بل هناك نماذج أخرى، وإنما المراد هنا هو التنبيه على هذين النموذجين.
تأملت في هذه الحال فوجدت أن كثيرين يغلطون في فهم موضوع (ضعف الأنثى).
فتجد النسوية تكابر الواقع والفطرة، وتنكر هذا الضعف وإن كانت تعترف به ضمنًا حين تتحدث عن ظلم الأنثى تاريخيًّا، أو تتحدث عن التمييز الإيجابي، وهو في حقيقته مراعاة لضعف الأنثى وهي تظهره بصورة التعويض عن الظلم التاريخي.
ونجد من الناس من يعترف بهذا الضعف ولكنه يبالغ في تقدير أثره حتى لكأنه يتحدث عن إنسان غير مكلف (وقد مال لهذا بعض المعتزلة فأدخل النساء في غير المكلفين).
وربما استأنس القائل بهذا بأن المرأة المسلمة لا تزوج من كافر لأن ذلك مظنة كفرها مع زوجها، فقال إن مراعاة مثل هذا المعنى يدل على أنها ليست أهلًا للخطاب.
وبعض النسوة يأنسن بهذا الخطاب ليُلقين باللائمة على الزوج أو الوالد أو المجتمع فيما يتعلق بذنوب النساء، ويقلن إنه لو صلح هؤلاء لصلحت النساء (وفي كثير من الأحيان يكون الفساد والإفساد من قِبلهن ويلقين باللائمة على الآخرين).
وهذا كلام فيه قدر من الحق ولكن ليس معنى هذا أنهن لسن مسؤولات عن أفعالهن، فهن مكلفات ومخاطبات، وإن لم تكن لهن القوامة.
وهذا نظير أمر الوالدين بما يصلح الأبناء، ولكن فساد الآباء ليس عذرًا للأبناء في الفساد، غير أن رب العالمين رحمةً منه يهيِّئ أسباب الصلاح.
كما أمر بجهاد الكفار تهيئةً لأسباب الإيمان لهم إذا ما صاروا تحت سلطان المسلمين، ولا عذر لهم لا قبلها ولا بعدها، ولكن هي رحمة من الله.
وهذه القرائن تُراعى في العقوبة، فالزاني غير المحصن عقوبته أقل من عقوبة الزاني المحصن، ولكن كلاهما مذنب ومعاقب، غير أن النعمة على المحصن أتم لهذا اشتدت عليه العقوبة، وفي هذا المعنى المرتد الذي تمت عليه نعمة الإسلام الأمر في حقه أعظم من الكافر الأصلي، لهذا يُحقن دم الأصلي في أحوال لا يُحقن بها دم المرتد، وإن كانوا كلهم ليسوا معذورين ومصيرهم إلى النار.
فكذلك المرأة إن كان القائم عليها صالحًا مُصلحًا فقد تمت عليها النعمة وكانت أقرب للصلاح، كما أن المحصن بالزواج أقرب للعفة (أغض للبصر وأحصن للفرج)، ولكن فساد القائم عليها ليس عذرًا لها في الفساد، كما أن الزاني غير المحصن ليس معذورًا.
وفي أواخر سورة التحريم الإشارة إلى هذا المعنى:
قال تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين} [التحريم].
فهاتان ضلتا مع صلاح القائم عليهما، بل القائم كان رأسًا في الخير، فمع أن صلاح القائم سبب في صلاح رعيته غير أن هذا السبب ليس قطعيًّا وإنما هو مؤثر فحسب، وهناك عوامل أخرى تدخل في السياق.
وقال تعالى: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين}
وهذه زوجها رأس في الشر والكفر ومع ذلك آمنت، فهي نقيض المثال السابق، فعُلِم أن ضعف المرأة وفساد القائم عليها لا يبرِّر لها الاستسلام للباطل.
وقال تعالى: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين}.
وهذه التي كانت صالحة في زمن فشا فيه الفساد، وكانت سليمة الاعتقاد عفيفة، فكافأها الله بأن جعلها أم نبي وابتلاها ابتلاءً جاء بعده الكرامة.
ومن النسوة من تتحدث عن ضعف الأنثى وكأنها غير مكلفة إذا جاء الخِطاب عن الواجبات أو جاء العتب والنقد على تقصير ظاهر في حق الله وحقوق عباده، أما إذا جاء الخطاب عن الحقوق يتحول الخطاب إلى مساواتيٍّ محض، ومنهن من تؤمن بملائكية جنسها فهي تعتقد أنهن لا يذنبن إلا ويكون الخلل من غيرهن، وأنهن إن فعلن خيرًا فذلك جارٍ مع أصل الخلقة!