ما ينبغي أن نفهمه من تقويم ابن تيمية لردود المتكلمين على الفلاسفة
ما ينبغي أن نفهمه من تقويم ابن تيمية لردود المتكلمين على الفلاسفة
قال شيخ الإسلام :
وهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة ، الذين ذمهم السلف والأئمة
لا قاموا بكمال الدين ولا بكمال الجهاد
بل أخذوا يناظرون أقواماً من الكفار وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم
( أخذوا يناظرونهم ) بطريق لا تم إلا بردّ بعض ما جاء به الرسول الله صلى الله عليه وسلم ! ، وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول !
فلا آمنوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق الإيمان
ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد
وأخذوا يقولون : لا يمكن الإيمان بالرسول وجهاد الكفار والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات !!
وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده - تكذيباً أو تأويلاً أو تفويضاً - لأنها ( العقليات ) أصل السمع !
وإذا حقق الأمر وجد الأمر بالعكس ..
وانه لا يتم الإيمان بالرسول والجهاد لأعدائه إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات ، وتبين أن المعقول الصحيح مطابق لما جاء به الرسول لا يناقضه ولا يعارضه
وأنه بذلك تبطل حجج الملاحدة وينقطع الكفار ، فتحصل مطابقة العقل للسمع
وانتصار أهل العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد ويحصل ذلك بــــ :
- الإيمان بكل ما جاء به الرسول
- واتباع صريح المعقول
- والتمييز بين البينات والشبهات ...
[ درء التعارض 1 / 314 ]
خلاصة كلام الشيخ أن أهل الكلام لما ردوا على الفلاسفة سلموا للفلاسفة بأصول فاسدة ألزمهم من خلالها الفلاسفة بأن ينكروا ثوابت شرعية وقد كان ذلك
ثم تسليمهم لهذه الأصول أضعف من ردودهم على الفلاسفة هذا هو الحاصل اليوم في طريقة العديد ممن يرد على الملاحدة أو العالمانيين أو الليبراليين أو النسويات أو العلمويين
أن النقاش يبدأ من المنتصف يسلَّم للخصم بأصوله، مثل أصل الاحتكام لمنظومة الدولة الحديثة واعتبارها نموذجاً يُرجع إليه أو أصل المساواة بين الناس بِغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو أصل تقويم البشر من خلال الإنجازات الدنيوية فحسب وعدم اعتبار الدين والعرض وغيرها من القيم
فيحصل لهم أنهم يحسنون الرد على هذه الفئات في العديد من النقاط وينتشي لذلك السني إذا قرأ هذه الردود ولكنه في بعض المواطن يكون في كلامه ضعفاً لأنه يسلِّم لهم أصولهم ويضطر أن ينكر بعض الثوابت أو الأقوال المعتبرة فيأخذها الخصم عليه حجة ويصير يشنع عليه في أمور ثوابت عظيمة لا يمكن ردها بسهولة لأنها ثابتة في القرآن ثبوتاً قطعياً
خذ على سبيل المثال قصة المساواتيين من المنتسبين للملة حين ألزمهم خصومهم بالاعتراض على قوله تعالى ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) وبعضهم أجاب بأجوبة ضعيفة وبعضهم التزم الالتفاف على مضمون الآية صراحة مثل عدنان إبراهيم.
ونظير هذا بعض المنتسبين للملة ممن يؤيد نظرية التطور ويحتج بالمجتمع العلمي ويحسبه محايداً وهم أصلاً ينطلقون من فلسفات مادية لا تجتمع مع الإقرار بالبينات العقلية الدالة على صحة الدين ، تسلَّط عليهم التطورويون من الملاحدة فصاروا يقولون لهم المجتمع العلمي يقبل بالنظرية بصفتها العشوائية وليس التطور الموجه الذي تقولون به
وكثيراً ما تجد هؤلاء المنتسبين للملة ممن يبدأون المناظرة مع الخصوم بالتسليم لأصول كان ينبغي أن يبدأ النقاش فيها أصلاً ولو بدأ لظهر ضعف حجة الخصم وانتهى الأمر ، كثيراً ما تجد هؤلاء فيهم نفرة من علماء الشريعة المتقدمين حتى رأيت في تصانيف بعضهم يذكر في أسباب تخلف المسلمين ( العالمانيين ) ويقصد بهم الصورة المتوحشة منها ثم يذكر الفقهاء الجامدين والفقهاء الجامدون عنده من لا يلتزمون صورة الإسلام المشذبة التي خرج بها من مناظراته اللامنهجية مع العالمانيين ويزعمون أَن المخالف لا ينكسر إلا بطريقتهم والواقع أنه يتسلط وبعض المقدمات التي يسلكونها للمخالفين لا يسلِّم بها كثير من الكفار الأصليين ! من اليهود والنصارى المستمسكين أو حتى من تأثر بفلسفات مادية مضادة للسائد مثل فلسفة نيتشة
=