كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب سماحة أخلاق الخليفة محمد المهدي..

المصدر
في رحاب سماحة أخلاق الخليفة محمد المهدي.. قال الخطيب البغدادي في تاريخه (3/282): ((أَخْبَرَنَا علي بن أحمد الرزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن قانع بن مرزوق القاضي، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو شعيب الحراني، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو زيد، قَالَ: سمعت الضحاك، قَالَ: قدم المهدي علينا البصرة فخرج يصلي العصر، فقام إليه أعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين مر المؤذن لا يقيم حتى أتوضأ! فضحك المهدي، وَقَالَ للمؤذن: لا تقم حتى يتوضأ الأعرابي. أَخْبَرَنَا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، قَالَ: أَخْبَرَنَا سهل بن أحمد الديباجي، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو خليفة، قَالَ: حَدَّثَنَا رفيع بن سلمة، عن أبي عبيدة، قَالَ: كان المهدي يصلي بنا الصلوات في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوما، فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين، لست على طهر، وقد رغبت إلى الله في الصلاة خلفك فمر هؤلاء أن ينتظروني فقال: انتظروه رحمكم الله، ودخل إلى المحراب ووقف، إلى أن قيل له: قد جاء الرجل فكبر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه)). أقول: السند الثاني فيه كذاب ولكن يشهد له السند الأول فهو محتمل. محمد المهدي هو ابن أبي جعفر المنصور ووالد هارون الرشيد وكان خيراً من أبيه وابنه ولكنه ظلم مع الأسف فقد كان شديد التتبع للزنادقة وله مواقف جيدة مع القدرية نصر فيها السنة فتم تشويه سمعته. تأمل أنه على هذه السماحة العجيبة مع أنه كان خليفة ممكناً فقد كان يحكم العراق والشام ونجد والحجاز واليمن وشمال افريقيا وخراسان وكل واحد من هذه الأقاليم فيه بلدان كثيرة. وقد اشتهر بالكرم والغيرة على النساء إذ منع الشعراء من التشبيب بالنساء، وله أحوال تدل على تدين قال الخطيب في تاريخه أَخْبَرَنَا القاضي أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز، وأخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بن أحمد الدقاق، قالا: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن البراء، قَالَ: حَدَّثَنِي عبيد الله بن فرقد مولى المهدي، قَالَ: هاجت ريح زمن المهدي، فدخل المهدي بيتا في جوف بيت، فألزق خده بالتراب، ثم قَالَ: اللهم إني بريء من هذه الجناية كِلْ هذا الخلق غيري، فإن كنت المطلوب من بين خلقك فهأنذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي أهل الأديان، فلم يزل كذلك حتى انجلت الريح. وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا عبيد الله بن فرقد مولى المهدي ما وقفت على كلام فيه وهو يروي قصة رآها وما اتهمه أحد فالأمر هين. ولا شك أنه ما كان معصوماً ولا رجلاً خلياً من الأخطاء ولكنه له فضائل لا تنكر ومنها ما قال أبو فيد مؤرج بن عمرو السدوسي المتوفى سنة 195 في كتابه حذف من نسب قريش ص12 وهو يتكلم عن الخليفة العباسي محمد بن عبد الله المهدي: ((وأعطى أهل الحاجة وفرض للمجذومين والمنبوذين ولم يفرض لهم أحد قبله)). يعني جعل لهم رواتب من خزينة الدولة ومع كل هذه الفضائل ما سلم من لسان بعض المعاصرين المتأثرين بالسياقات الليبرالية حتى اتهمه بعضهم بالرياء! قال محمد الطاهر بن عاشور كما في جمهرة مقالاته (4/1574): ((وكان المهدي العباسي قد انبرى لتطهير مملكته من المخالفين، وشدّد التنقيبَ على الذين يُنسَبون إلى الزندقة. ولا شك أنه كان يُرائي بذلك)). ويقول أيضاً: ((فأراد المهدي أن يَظْهرَ في مظهر المؤيِّد للدين، المحيي لعقيدة الإسلام وسيرة السلف، فأظهرَ من ذلك ثلاث خلال شهد بها التاريخ، وهي: [الأولى] الشدة في تقصّي الزندقة، و [الثانية] الإعراض عن الشعر الغزلي، حتى نهى بشارًا عن الغزل، وحتى أعرض شاعرُه أبو العتاهية عن ذلك الشعر وقَصَر شعرَه على الزهد والحكمة. والثالثة إفراطه في الغيرة على النساء وإغلاظ الحجاب، ليحقق بذلك أنه المهدي المنتظر)). ويقول أيضاً: ((ولهذا نرى في ترجمة بشار وفي شعره أن المهديَّ كان ينهاه المرةَ بعدَ المرّة عن التعرض إلى النساء في شعره)). وسبحان الله حين يظهر المرء التدين والغيرة يتهم في نيته ولو فتحنا هذا الباب لاتهمنا الكاتب وغيره بنحو من هذه التهم إن تكلموا عن الفضيلة فما يصنع العالمانيون سوى اتهامهم بنحو هذا! والرجل لو لم يكن فيه صلاح ظاهر لجاز اتهامه ولكن له أحوال أخرى حسنة ولكن ما نصنع بإنسان بلغ به الأمر أن يتهم الفقهاء بأنهم تأثروا باليهود والمشركين في التعامل مع المرأة ويضرب لذلك مثلاً من أحاديث الصحيحين!أفيسلم منه من هو دون الفقهاء؟