كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال الله تعالى : ( وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله ال

المصدر
قال الله تعالى : ( وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ) هذه الآية عجيبة إذ لم تترك مذهباً من مذاهب أهل الباطل التي فشت في عصرنا في المسائل الوجودية إلا وأشارت إليه بل وفيها إشارة عجيبة إلى أن نقض أشد مذاهب أهل الباطل شراً وبعداً عن العقل والفطرة يقتضي نقض بقيتها إذا تسلسلنا في التفكير بشكل سليم ( وهو الذي خلق السماوات والأرض ) فيها الرد على أهل الإلحاد الذين ينكرون أصل خلق السماوات والأرض وهذا أضعف المذاهب وأفسدها ثم قوله ( بالحق ) فيه الرد على الربوبيين واللادينيين الذين يقرون بالخالق ثم لا يقرون بحكمة للخلق بل يرونه خلق الخلق ثم تركه فنسبوا إليه ما يخالف الحكمة والعلم فجعلوا الخلق باطلاً أو عبثاً ، ومجرد إثبات الخلق يقتضي أن الخالق مطلق العلم والقدرة وهذا يتضمن وجود حكمة مطلقة فإثبات الخلق دون الحكمة تناقض ثم قوله : ( ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ) فيه الرد على من زعم أن الخلق جاء بصورة عشوائية عن طريق طفرات وتراكمات وروي عن ابن عباس أن هذه الآية في خلق الإنسان وهذا عجيب فإن ذلك أشد باب للخلاف بين أهل الإسلام والداروينيين ومن أثبت أصل الخلق بحكمة كان إرجاعه لوجود الكائنات الحية للطفرات تناقضاً ومن بدأ البحث في الكائنات الحية وأغفل سؤال أصل الحياة وأصل الخلق فقد صادر عن المطلوب وهرب من التناقض السابق بتجاوز السؤال ثم قوله ( وله الملك ) فيه الرد على الإنسانويين الذين جعلوا الإنسان هو المركز وأن التشريعات ينبغي أن تدور على أهواء فئة من البشر ، وهذا معلوم انتقاضه بانتقاض المقدمات السابقة بل الإنسان مخلوق لله عز وجل مملوك له يفعل الله فيه ما يشاء ويأمره بما يشاء وكما أنه لا يمكنه الخروج عن قوانينه الكونية ينبغي ألا يخرج عن أوامره الشرعية لذا عبادة المخلوق للخالق هي تطبيق لواقع موجود أصلاً وهو أنك مملوك لهذا الخالق الذي أوجدك وهذه هي العلاقة القويمة بين الخالق والمخلوق وقوله : ( يوم ينفخ في الصور ) توكيد على هذه المملوكية وأن مصيرنا بيد الله وأن مقتضى الخلق الحكمة ومقتضى الحكمة مع تباين الخلق في سلوكياتهم وجود يوم يحاسب فيه الناس وهذا اليوم يدين به الناس من أوجدنا ابتداء سبحانه وقوله : ( عالم الغيب والشهادة ) وهذا مقتضى خلقه ومقتضى أن إليه مرجعنا أن يكون عالماً بظواهرنا وبواطننا لكي يحاسبنا على العدل الكامل ثم إذا كان مرجعنا إليه وهو عالم بكل شيء في عالم الغيب والشهادة ونحن قاصرون ضرورة لذا كل يوم نتعلم فينبغي أن تكون التشريعات التي نتبعها منه سبحانه وهذا خلاف ما ينادي به العالمانيون ثم تختم الآية بقوله سبحانه : ( وهو الحكيم الخبير ) وهذا الاسمان يجتمع على إنكارهما كل ملحد وربوبي وعالماني وحداثي فكلهم ينفون حكمة الله وخبرته في مستوى من المستويات ويجعلون عقولهم القاصرة حاكمة عليه أو على شرعه